رصاصة الغفران

منتهى محسن محمد/ بغداد
عدد المشاهدات : 2

في أزقّة المدينة تتعالى أصوات الأطفال وهم منهمكون بلعب كرة القدم، كرة مصنوعة من قصاصات الورق ولفافات الجرائد العتيقة، وفي عيونهم بريق يظهر سحر الطفولة، وتنقدح شرارة البراءة والجمال، يحكي لمعان عيونهم الصغيرة عند مفترق الطرق وخرائط الزمان قصّة الرجولة التي ستصنع مجد وطن يُذبح كلّ يوم. هكذا يُعاد شريط الذكريات للبطل (سعيد) الذي كان يتأبّط عتاده ويوثّق لحظاته المشوبة بالحيطة والحذر عند الساعة التي يُعرف فيها ثبات الرجال، وقوة العريكة، ورباطة الجأش عند المحن، ودماثة الخُلق حين الظفر. تألّق (سعيد) من جديد في ساحات الوغى عندما أسره شاب صغير قبل استشهاده بساعات، ذلك الشاب الذي كان هو وأصحابه المغسولة أدمغتهم السبب في شهادة العديد من أبطال الحشد الشرفاء. رمقه (سعيد) بنظراته الدافئة وسط الوطيس، وقرّر بنبضات قلبه النقيّ أنْ يترجم إنسانيته على قصاصة التقطها من أرض المعركة ودوَّن فيها: عهد عليَّ إذا كُتبت لي الحياة أنْ أُعيد لهذا الشاب إنسانيته التي استلبها منه عميان القلوب. دسَّ الورقة في جيبه حيث عادت به الذاكرة إلى أيام طفولته وهو يقود فريقهُ نحو انتصارات صغيرة في الحيّ، واليوم يخوض غمار الحياة مرّة أخرى بانتصار أشمّ ومغوار، لكنّ المنيّة لم تمهله إلّا ساعات حتى تُوّج شهيدًا في ساحة العزِّ والكبرياء، وفي الأزقّة ذاتها تعالت مرّة أخرى أصوات أصحابه وهم يحملون نعش صديقهم البطل، تقدّم أحدهم إلى والده وأعطاه أغراضه ودسّ في يده تلك القصاصة التي حرّكت شجون الأب حين قرأ أمنية ابنه الأخيرة. في أحد السجون وقف (أبو سعيد) متّكئًا على عصاه ينتظر خروج ذلك الشاب ليقدّم له بعض الثياب والطعام، ثم تركه وانصرف، لكن المفاجأة والصدمة أكلت قلب الشاب وهو يرى (أبا سعيد) عند باب السجن بانتظاره بعد أنْ أغدق عليهٍ من عطائه بصمت طوال مدّة سجنه. كان قلب الشاب يكتنز الندم طوال أعوام السجن الثقيلة، ولمّا حان موعد تحرّره، كان أول همّه زيارة (أبي سعيد) الذي أغدق عليه من خيراته صامتًا طوال مدّة سجنه. طرق الباب بخجل، فأطلّ وجه (أبو سعيد) مشرقًا، فتح له الباب وصافحه بحرارة، وأجلسه قرب المدفأة وسكب له قدحًا من الشاي المهيّل، ثم اصطحبه إلى غرفة (سعيد) حيث كلّ شيء على حاله، فتح أدراج الملابس وأعطاه ثيابًا جديدة لم يرتدها الشهيد قط، وهناك حيث يسكن الوجع وتنبض المشاعر عند حواف صورة (سعيد) المعلّقة على الجدار، تهدَّج صوت الأب وانكسرت عبراته وهو يقول: الآن أكملتُ وصيّته، أتعلم يا ولدي أنَّ ابني لم يستشهد لكي أثأر من قاتله، بل ماتَ كي تعود أنتَ وأمثالكَ إلى فطرة الله (عزّ وجلّ) المنسيّة، فإذا كنتَ نادمًا حقًّا، اجعل من نفسكَ النسخة التي أرادها (سعيد) منكَ. ارتفعت ضحكات (سعيد) من جديد في الحيّ، ولبست الدنيا ثوب المحبّة حين انطلق صوت الشاب وهو يطرق أسماع المارّة بعذوبة ترتيله لآيات القرآن الكريم من داخل دكّان (سعيد) الذي منحه إياه والده كرامة لشهيد الحشد البطل.