عندما يقترن الكمال
"الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرّية إسماعيل، وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا يُجبى إليه ثمرات كلّ شيء، وجعلنا الحكّام على الناس في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إنّ ابن أخي محمّدًا (صلّى الله عليه وآله) بن عبد الله بن عبد المطّلب لا يُوزن برجل من قريش إلّا رجح، ولا يُقاس إلّا عظم عنه"(1). هذا مقتطف من خطبة النكاح التي ألقاها سيّد البطحاء أبو طالب (عليه السلام) يوم عقد قران النبي المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وسيّدة نساء زمانها أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد (عليها السلام). فمن قلب مكّة المكرّمة ومن أفضل القبائل شرفًا برزت سيّدة ذات كمالات باهرة، فكانت من أكثر النساء جاهًا ومالًا وجمالًا وعفّة ورجاحة عقل، حتى شاع صيتها في أرجاء مكّة المكرّمة، فُعرفت بـ(الطاهرة)، وتقدّم إلى خطبتها أصحاب المال والجاه في قريش، لكنّها رفضت الجميع، فلم تكن عازفة عن الزواج بل كانت تبحث عن رجل فريد ذي كمالات سماوية لا نظير له في الرجال، كانت تنتظر المختار الصادق الأمين لتكون قرينته وشريكة دربه وجهاده ونصيرته على أعدائه، فعاشت معه في السرّاء والضرّاء وتحمّلت شظف العيش طواعيةً وبكلّ سعادة على الرغم من ثروتها الطائلة التي وضعتها بين يديْ زوجها حبيب إله العالمين؛ لينفقها على دعوته الإلهية وعلى الملبّين دعوته المباركة كيف يشاء، إنّها السيّدة المصطفاة التي تدخل الجنّة بغير حساب، أمّ الأئمة الهداة المهديين الذين يفخرون بالانتساب إليها، فعن الإمام السجّاد (عليه السلام) في خطبته الفخرية التي ألقاها في قصر يزيد-لعنه الله- أنّه قال: "أنا ابن خديجة الكبرى"(1). أمّ المؤمنين الطاهرة المطهّرة السيّدة خديجة الكبرى (صلوات الله عليها) بلغت أعلى مراتب الشرف وقد خصّها ربّ العزّة والجلال بالسلام الخاصّ، ويباهي بها ملائكته الكرام كلّ يوم مرارًا، فكانت أفضل أزواج النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله) حتى قال عنها: "إنّي قد رُزقتُ حبّها"(2)، وكانت الوعاء الطاهر للنسمة الطاهرة سيّدة نساء العالمين من الأولين والآخرين من القِران المبارك الذي يمتدّ شعاعه إلى يوم الدين ............. (1) مَن لا يحضره الفقيه: ج3، ص 397- 398. (2) بحار الأنوار: ج45، ص138، 139. (3) شرح أصول الكافي: ج7، ص144.