سيماء الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في نهج البلاغة
إنّ المتأمّل في شخصية سيّد الخلق محمّد (صلّى الله عليه وآله) يجد أنّه منذ اللحظات الأولى لوجوده المقدّس كان محاطًا بعنايةٍ إلهيةٍ خاصّة، فاختياره للرسالة الخاتمة لم يكن منفصلًا عن الاصطفاء الإلهي، بل كان امتدادًا لمسيرةٍ من الطهارة والنقاء والإعداد الربّاني من قبل خلق العالم، وقد أكّد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى في مواضع عديدة من خطبه في نهج البلاغة، مبيّنًا أنّ الله تعالى اختار نبيّه (صلّى الله عليه وآله) من أطهر الأصول وأزكى الأرحام، وحفظه من أدران الجاهلية وخصّه بالرسالة الإلهية الخاتمة، فقد رُوي عنه (عليه السلام) أنّه قال: "استودعهم في أفضل مستودع"(1)، و"أقرّهم في خير مستقرّ"(2)، إشارةً إلى أنّ الله تعالى أودع أنوار الأنبياء (عليهم السلام) في أصلابٍ طاهرة وأرحامٍ مطهّرة، بعيدة عن دنس الشرك والانحراف، ويتوافق هذا المعنى مع قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ (الأنعام:98)، إذ فُسِّر المستودع بأصلاب الآباء، والمستقرّ بأرحام الأمّهات(3)، ممّا يدلّ على العناية الإلهية في انتقال هذه الصفوة المختارة عَبر سلالةٍ نقيّةٍ اصطفاها الله تعالى لحمل نور النبوّة. وقد تجلّت آثار هذا الاصطفاء الإلهي في سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) قبل البعثة الشريفة، إذ حفظه الله تعالى من مظاهر الجاهلية التي كانت شائعة في المجتمع المكّي، مبرّءًا (صلّى الله عليه وآله) من الذنوب والعيوب والأرجاس، فهو الأنموذج الأكمل والأعلى في العبودية لله تعالى والطهر وجميع المكارم والكمالات، فلم يملك المجتمع المكّي إلّا أنْ يرجع إليه في شؤونه الاجتماعية والفردية مطلقًا عليه لقبيْ (الصادق الأمين). ومن أبلغ النصوص التي ذكر فيها الإمام علي (عليه السلام) طهارة النسب النبوي الشريف قوله: "تناسختم كرائم الأصلاب إلى مطهّرات الأرحام"(4)، وهو تعبيرٌ يحمل دلالاتٍ عميقة على انتقال نور النبوة عبر أصلابٍ كريمة وأرحامٍ طاهرة لم تتلوّث بأيّ نوع من أنواع الدنس والفساد، فالأصلاب وُصفت بالكرامة لشرف أصحابها، والأرحام وُصفت بالطهارة لاستعدادها لحمل هذه الصفوة الإلهية المباركة، وقد ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "نُقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكيّة"(5)، فالعناية الإلهية بالنبي (صلّى الله عليه وآله) والاصطفاء ابتدأ قبل خلق آدم (عليه السلام)، فلا عجب أنْ تشمل جميع مراحل وجوده المقدّس. ويبرز في نهج البلاغة أيضًا تشبيه الأصل النبوي الشريف بالشجرة المباركة، وهو تشبيهٌ يكشف عن عمق الامتداد الرسالي للنبي (صلّى الله عليه وآله) وثبات جذوره في الطهارة والاصطفاء، إذ يقول الإمام علي (عليه السلام): "أخرجه من أفضل المعادن منبتًا، وأعزّ الأرومات مغرسًا، من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتجب منها أمناءه"(6) ثم يضيف: "عترته خير العِتر، وأسرته خير أسرة، وشجرته خير الشجر، أغصانها معتدلة وثمارها متهدّلة، مولده بمكّة وهجرته بطيبة"(7)، فإنّ هذا التصوير البلاغي يفصح عن النسب النبوي أنّه شجرة ربّانية مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تفرّعت منها النبوّات والرسالات والإمامة، وامتدّت عبرها الهداية الإلهية للبشرية، فعن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "كلّما نسخ الله الخَلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر"(8)، وهو تصريح واضح بطهارة سلسلة النسب النبوية (صلّى الله عليه وآله) وتنزيهها عن كلّ انحراف أخلاقي أو عقدي، وعبر هذه النصوص يتّضح الاصطفاء الإلهي المرتبط بالطهارة الروحية والاستعداد لتحمّل الرسالة الإلهية، مثلما يظهر من النصوص علوّ شأن سلسلة النسب لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) فهو يشترك مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في النسب، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول لعلي (عليه السلام): "يا عليّ، الناس من شجر شتّى وأنا وأنتَ من شجرة واحدة"(9). ........... (1) نهج البلاغة: ص150. (2) المصدر نفسه: ص93. (3) تفسير الصافي: الفيض الكاشاني، ج 2، ص 142. (4) شرح نهج البلاغة: ابن ميثم البحراني: ج2، ص525. (5) نهج البلاغة: ص230. (6) المصدر نفسه: ص165. (7) المصدر نفسه. (8) بحار الأنوار: ج15، ص117-118 (9) المصدر نفسه: ج38، ص309.