الإسراء والمعراج: ذروة التكريم والتتويج السماوي

أزهار عبد الجبار الخفاجي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 53

في ليالي الحزن التي زارت قلب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بعد رحيل عمّه أبي طالب (عليه السلام)، وزوجته أمّ المؤمنين خديجة الكبرى (عليها السلام)، اشتدّ أذى قريش عليه (صلّى الله عليه وآله) وهو صابر محتسب، وكانت السماء تُهيّئ لحدث لم يبلغه من قبل ذو مقام، حدث خلّده القرآن الكريم بقوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء:1)، فسبحان مَن خصّ سيّد الخلق بالإسراء والمعراج، ففتح باب التسبيح والتقديس عَبر هذا المسرى الخالد، ففي إحدى ليالي شهر ربيع الأوّل حين خيّم السكون على الأرجاء، تسلّل نور ساطع شقّ عباب الظلام، نور يحمل وعدًا إلهيًّا بأنّ بعد العُسر يسرًا، عندها ظهر جبرائيل (عليه السلام) ومعه دابّة من الجنّة بيضاء مضيئة تُدعى (البُراق)، كأنّها ومضة برق بين الأرض والسماء، أيقظ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من سِنة الأجفان لا الفكر والقلب والأذهان، فهو (صلّى الله عليه وآله) اليقظان الذي تنام عينه ولا ينام قلبه، واصطحبه في رحلة بدأت من مكّة المكرّمة إلى الأرض التي بارك الله حولها. هناك، في مشهد يفيض رهبةً وجلالًا اجتمع الأنبياء (عليهم السلام) كأنّ الزمان قد انطوى ليجمع صفوة الخلق في لحظة واحدة، وتقدّم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فصلّى بهم إمامًا، في إشارة عظيمة إلى تاج الرسل وإمام الأنبياء والمرسلين خاتمهم المصطفى الهادي الأمين (صلّى الله عليه وآله)، فيقول الشاعر: أسـرى بكَ اللهُ ليلًا إذ ملائكُهُ والرسلُ في المسجدِ الأقصى على قـدمِ لمّا خطرت به التفّوا بسيّدهم كالشهـبِ بالبدرِ أو كالجنـدِ بالعَـلـمِ صلّـى وراءكَ منهم كلُّ ذي خطر صلّـى وراءكَ منهم كلُّ ذي خطر(1) ثم بدأت الرحلة الأعجب بالنسبة إلى محدودية عقول البشر، وهي العروج إلى السماوات العلى بصحبة جبرائيل (عليه السلام)، فيقول الشاعر: جُبتَ السماوات أو ما فوقهنَّ بهم على منورة درّية اللجمِ(2) فارتقيا سماءً بعد سماء، تُفتح لهما أبوابها، ويُستقبل النبي (صلّى الله عليه وآله) بحفاوة من قِبل الملائكة والأنبياء والمرسلين في كلّ سماء يلتقي بنبي: النبي آدم (عليه السلام) في السماء الأولى، والنبيّينِ يحيى وعيسى (عليهما السلام) في السماء الثانية، والنبي يوسف (عليه السلام) في السماء الثالثة، والنبي إدريس (عليه السلام) في السماء الرابعة، والنبي هارون (عليه السلام) في السماء الخامسة، والنبي موسى (عليه السلام) في السماء السادسة، والنبي إبراهيم (عليه السلام) في السماء السابعة، وكان كلّ لقاء يفيض إجلالًا وتكريمًا، فالسماء بأسرها تحتفي بقدومه، وفي السماوات مركز الفيض والرحمة الإلهيّة والنفحات الربّانية في مقام يعجز الوصف عن بلوغه، حيث تتلاشى حدود الإدراك وتخشع الأرواح، أكّد الباري تعالى على ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام)، فعن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال: "قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أُدخِلتُ الجنّة فرأيتُ على بابها مكتوبًا بالذهب لا إله إلّا الله، محمّد حبيب الله، عليٌّ وليّ الله، فاطمة أمَة الله، الحسن والحسين صفوة الله، على مُبغضيهم لعنة الله"(3). وفي السماء السابعة، فُرضت الصلاة على المؤمنين لتكون قربان كلّ تقيّ، ووسيلة الاتّصال بالمعبود ليرتقي العباد، ثم عاد النبي (صلّى الله عليه وآله) في الليلة نفسها، أراه الله تعالى من آياته الكبرى ما لا يمكن أنْ يناله أحد. إنّ معجزة الإسراء والمعراج ليست قصّة تُروى فحسب، بل نبض أمل سماوي أُهدي لتاج الرسل، ودليل على أنّ الطريق إلى السماء يبدأ من العقيدة الحقّة المتمثّلة بالإيمان بالله تعالى وبرسوله (صلّى الله عليه وآله) وبالأوصياء (عليهم السلام) وباتّباعهم، فتعرج الروح بحبّهم وولايتهم في معراج يومي يرفع العبد إلى أعلى علّيين. ........... (1) الشوقيات: ج2، ص 167. (2) الشوقيات: ج1، ص150. (1) الخصال للشيخ الصدوق: ص323- 324.