الحفظ الإلهي في مسار الاصطفاء

وفاء أحمد الطويل/ القطيف
عدد المشاهدات : 11

قبل أنْ تُكتب الرسالة الخاتمة بلغة تُتلى فيعرفها البشر، كان أصلها يُختبر في صمت الغيب، وقبل أنْ يُنادى باسم محمّد (صلّى الله عليه وآله) في الخَلق، كان مساره قد بدأ في طبقات أسبق من الإعلان، إذ لا صوت إلّا لمنطق الابتلاء، ولا ظهور إلّا لما صفي في الخفاء. في هذا الأفق بدت لحظة النذر التي اقترنت بعبد الله بن عبد المطّلب (عليهما السلام) تعيد معنى الاختبار الإبراهيميّ في سياق جديد، فـ(النذر) يمضي إلى نهايته لولا أنّ (الفداء) تدخّل ليعيد تعريف (القربان) حفاظًا على النسل الذي يُراد له أنْ يحمل الرسالة(1). ومن هنا تصاعد موقع عبد المطّلب (عليه السلام) ودوره في سردية ما قبل الرسالة الإسلامية، رجل تتقاطع عنده إشارات النبوءة، وحدود الامتحان، وإرادة الحفظ؛ ليشكّل منطقًا آخر للتاريخ، تُصان به أصول التوحيد لتؤدّي وظيفتها في التمهيد للنبوة. وشاء الله أنْ يُولد النبي (صلّى الله عليه وآله) يتيمًا، فتولّى جدّه عبد المطلب (عليه السلام) خدمته في طفولته المبكّرة، وقد أدّى دورًا مهمًّا في حمايته بعد وفاة والدته آمنة بنت وهب (عليها السلام)، فعبد المطّلب الموحّد الحنيف كان منتظرًا للنبي (صلّى الله عليه وآله)، مدركًا للأخطار المحدقة به من قِبل المجتمع المكّي، فوقف عمره على خدمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وحمايته حتى حان وقت وفاته، فجمع قومه وأوصاهم بسيّد الخلق (صلّى الله عليه وآله) مرارًا وتكرارًا، منها حديثه: (فإنَّ لابني هذا شأنًا عظيمًا)(1)، ومنها وصيّته لأبي طالب (عليه السلام): "يا أبا طالب، انظر أنْ تكون حافظًا لهذا الوحيد الذي لم يشمّ رائحة أبيه"(2)، وقوله: "يا معشر قريش، إنّكم صفوةُ الله من خلقه، وإنّي أوصيكم بمحمّد خيرًا؛ فإنّه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، كونوا له وُلاةً، ولحزبه حماةً" (3)، فالنذر، والفداء، والولادة، والكفالة محطّات مفصلية متداخلة في مسار واحد؛ لينبثق السؤال: إذا كان عبد المطّلب (عليه السلام) قد وقف على تخوم الغيب ليحمي نبيّنا (صلوات الله عليه)، فكيف ينبغي أنْ تُقرأ أدواره الخفيّة التي مهّدت لمسار الرسالة قبل أنْ تعلن؟ فالسلام على شيبة الحمد في عليائه. .......... (1) بحار الأنوار: ج15، ص124. (2) المصدر نفسه: ج15، ص123. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه: ج15، ص126.