صندوق الكلمات المنسية
كانت (مريم) ربّة بيت يُضرب بها المثل في التفاني والتدبير، لا يمرّ يوم من دون أنْ يكون منزلها لوحةً فنّيةً من النظافة والترتيب، أمّا طعامها فيفوح منه عطر المحبّة والإتقان، لكنّها كانت تؤمن في صميمها بقاعدة قاسية، ألا وهي أنّ الأمّ الواعية يجب أنْ تكون جادّة دائمًا، وأنّ المديح الزائد قد يفسد انضباط الأبناء، فكانت تقوم بكلّ واجباتها بصمت وتنتظر من الجميع الانضباط ذاته من دون أنْ تمنح الأبناء مشاعر الأمومة عَبر كلمات لطيفة تعبّر عن مكنون صدرها. مع مرور الأيام بدأت (مريم) تلاحظ جفاءً ينمو بين جدران بيتها، فالأبناء يكتفون بأكل الطعام والمغادرة، والبيت الذي كان يزهو من النظافة بدا باردًا خاليًا من الودّ والألفة الأسرية، وذات يوم زارتهم خالتها (حكيمة) وكانت اسمًا على مسمّى، إذ كان لاسمها أثر كبير في شخصيتها، فقد كانت تتّسم بالحكمة، وبعد أنْ استقرّ بهما الجلوس، بدأت (مريم) تبثّ خالتها همومها، فشكت إليها جحود عائلتها قائلة: ابذل كلّ جهدي من أجلهم يا خالتي ولا أجد منهم حتى كلمة ثناء واحدة. عندما سمعت (حكيمة) شكواها، عرفت أنّ هناك خللًا في طريقة تربيتها، فطلبت منها القيام بتجربة غريبة قائلة: أريدكِ أنْ تضعي صندوقًا خشبيًا وسط مائدة الطعام، وفي كلّ مرّة ترين فعلًا جميلًا من أبنائكِ، ضعي فيه ورقة بيضاء فارغة، استغربت (مريم) وقالت: وما نفعها؟ فأجابت الخالة بابتسامة: افعلي ذلك لمدّة أسبوع وستعرفين النتيجة. مضى الأسبوع وامتلأ الصندوق، وعندما اجتمعت العائلة طلبت الخالة فتح الصندوق ساد الصمت حين وجدوا الأوراق بيضاء خالية من أيّ حرف، حينها قالت الخالة: هذا الصندوق يشبه ما يشعر به أبناؤكِ، فهم يلمسون عطاءكِ الكبير لكنّهم لا يسمعون منكِ كلمات المودّة التي تشعرهم بحنانكِ، فهذا الصندوق ممتلئ بالأفعال لكنّه يفتقر إلى الروح وهي كلمات الثناء التي كان من الممكن أنْ تدوّنيها على الورقة. سقطت هذه الكلمات على قلب مريم كالصاعقة، وأدركت أنّها أطعمت أجساد أبنائها ونسيت أرواحهم، فاقتربت الخالة منها وقالت: يا بنتي، لا تظنّي أنّ الجدّية هي القوة، بل القوة في كسب القلوب، وخير قدوة لنا هم أهل البيت (عليهم السلام)، فقد جاء في وصيّة نبينا الكريم (صلّى الله عليه وآله) سيّد الكلمة الطيّبة في وصيّته لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ، الكلمة الطيّبة صدقة"(1)، فكيف تبخلين بهذه الصدقة على أقرب الناس إليك؟ القلوب تحتاج إلى الكلمة الطيّبة لتحيى مثلما تحتاج الأرض إلى الماء لتُزهر. منذ ذلك اليوم قرّرت (مريم) أنْ تكسر صمتها، فأصبحت تذكر أبناءها بكلمات الثناء وهي تستمدّ عطر كلامها من فم السيّدة الزهراء (عليها السلام) المبارك حين تستحضر نداءها القدسي لأبنائها: "يا قُرّة عيني وثمرة فؤادي"(2)، فقد أدركت أنّ التربية هي محاكاة لتلك الرحمة المحمّدية، وأيقنت أنّ الكلمة الطيّبة هي جسر العبور إلى قلوب مَن نحبّ، وصدقة جارية يمتدّ أثرها في نفوس الأبناء دائمًا. .......... (1) وسائل الشيعة: ج5، ص233. (2) بحار الأنوار: ج43، ص172.