مسلم بن عوسجة: أول شهداء الطف

خديجة الكبرى رحيم السعيديّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 67

صحابي جليل أثبت أنّ وفاء الصحبة يمتدّ من الجدّ إلى الأب وإلى الابن، تشرّف مسلم بن عوسجة بصحبة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وكان من خيرة أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يتوقّف عند هذا الحدّ من مؤازرة المعصوم، بل كان نِعم النصير لرسول الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الكوفة مسلم بن عقيل (عليه السلام) إذ بايعه، وكان أمين سرّه، وبعد عدوان بني أمية على مسلم بن عقيل (عليه السلام) وتفرّق جيشه ثم استشهاده، توجّه مسلم بن عوسجة إلى كربلاء للالتحاق بقافلة سيّد الشهداء (عليه السلام) على الرغم من عمره الذي تجاوز الثمانين عامًا، لكنّه كان صلب الإيمان والثبات على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فقد جاء في الروايات: في ليلة العاشر من المحرّم حين خطب الإمام الحسين (عليه السلام) في أصحابه وعرض عليهم أنْ يتفرّقوا عنه قائلًا: "هذا الليل فاتّخذوه جملًا"(1) قام مسلم بن عوسجة وقال: (أنحنُ نخلي عنكَ ولم نُعذر إلى الله في أداء حقّكَ؟ أما والله لا أبرح حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي، ولا أفارقكَ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونكَ حتى أموت معكَ)(2)، فكان مسلم بن عوسجة أول مبارز في معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) وأول الأنصار الذين نالوا وسام الشهادة بين يدي الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وحينما حمل عمرو بن الحجّاج على الحسين (عليه السلام) في ميمنة عمر بن سعد، فاقتتلوا ساعة وصُرع مسلم بن عوسجة، مشى إلى مصرعه الإمام الحسين (عليه السلام) وكان مسلم في سكرات الموت، فدنا منه الإمام (عليه السلام) وقال له: فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب:23)، واقترب منه أخوه في الجهاد حبيب بن مظاهر فقال له: (عزّ عليَّ مصرعكَ يا مسلم، أبشر بالجنّة)(3)، فقال مسلم بصوت خافت: (بشّركَ اللّه بخير)، وانبرى حبيب قائلًا: (لولا أنّي أعلم أنّي في أثركَ لأحببتُ أنْ توصي إليّ بما أهمّكَ، فعهد إليه مسلم بأعزّ وأخلص ما عنده قائلًا: أوصيكَ بهذا-وأشار إلى الإمام الحسين (عليه السلام)-أنْ تموت دونه(4). في تلك اللحظات العصيبة والاستثنائية بين روح تستعدّ للارتقاء وقلب يوصي بسيّده، ويقدّم حياته على حياته، تقبّل مسلم الموت كأنّه فاكهة من الجنّة فداء للحسين (عليه السلام)، فماذا يوجد أغلى من النفس كي يفديه به، فأنْ يسلّم المرء جسده للسيوف والرماح دفاعًا عمّن يحبّ، فذاك أعظم الحبّ والإخلاص، وهذه المشاعر نابعة من عقيدة راسخة بأنّ سيّد الشهداء (عليه السلام) هو الإمام المفترض الطاعة، والحيلولة بينه وبين الموت فرض لابدّ منه، فالسلام على أول شهيد ترتوي من دمائه الطاهرة الزكية أرض كربلاء. ......... (1) اللهوف على قتلى الطفوف: ص92. (2) المصدر نفسه: ص90. (3) بحار الأنوار: ج45، ص21. (4) المصدر نفسه