رياض الزهراء العدد 234 طفلك مرآتك
التفكك الأسري وازدياد نسبة الطلاق: حين تضعف الشراكة داخل البيت
لم يعد الحديث عن الطلاق والتفكّك الأسري أمرًا نادرًا أو استثنائيًا، بل أصبح ظاهرةً متكرّرةً في كثير من المجتمعات، وهذه الظاهرة لا يمكن فهمها فقط عبر الأرقام والإحصاءات، بل عن طريق النظر إلى ما يحدث داخل البيوت نفسها، كيف تُبنى العلاقة، وكيف تُدار الخلافات، وكيف تتحوّل التفاصيل الصغيرة إلى مسافات كبيرة بين الطرفين، فالعلاقات الأسرية ليست مجرّد ارتباط عاطفي، بل هي شراكة كاملة تقوم على التفاهم، وتبادل الأدوار، والقدرة على الاستمرار على الرغم من الاختلاف، وعندما يختلّ هذا التوازن، تبدأ التصدّعات بالظهور تدريجيًا، وقد تنتهي أحيانًا بالانفصال. ومن الأسباب البارزة التي تزيد من هشاشة العلاقات الزوجية هو بناء الزواج على صورة مثالية غير واقعية، فبعضهم يدخل العلاقة وهو يتوقّع شريكًا كامل الصفات، خاليًا من الأخطاء، قادرًا على الفهم الدائم والتنازل المستمرّ من دون مقابل، لكنّ الواقع مختلف تمامًا، فليس كلّ زوج يتمتّع بالأخلاق العالية، مثلما أنّ ليست كلّ زوجة كاملة الأوصاف، فالزواج يجمع بين شخصين لهما نقاط قوة ونقاط ضعف، ولهما أمزجة مختلفة، وظروف مختلفة، وعندما تُبنى العلاقة على توقّع الكمال، فإنّ أول احتكاك واقعي سيتحوّل إلى أزمة. أثر التفكّك في الأبناء الأبناء هم الأكثر تأثّرًا في حالات التفكّك الأسري، فهم لا ينظرون إلى الخلافات من زاوية الكبار، بل يعيشونها، كفقدان الأمان والاستقرار، وهذا الأثر لا يتوقّف عند لحظة الانفصال، بل قد يمتدّ إلى طريقة تفكيرهم في العلاقات مستقبلًا، وكيفية تعاملهم مع الخلافات. العلاقة الزوجية ليست علاقة تقديس لطرف على حساب الآخر، بل هي علاقة شراكة، كلّ طرف فيها له دور، وله مسؤولية، وله مساحة من التنازل المتبادل، والمشكلة تبدأ عندما يتحوّل أحد الطرفين إلى أنموذج مثالي دائم، بينما يُطلب من الطرف الآخر أنْ يتحمّل وحده كلّ الأخطاء والتنازلات، هذا النوع من التفكير لا يصنع أسرة مستقرّة، بل يصنع ضغطًا داخليًا ينفجر مع الوقت. الحياة الزوجية لا تقوم على مبدأ أنّ هناك طرفًا مثاليًا وطرفًا مُقصِّرًا، بل على أساس أنّ كلا الطرفين بشر غير معصوم، وكلاهما يحتاج إلى التفهّم والتوازن. التنازل في العلاقة الزوجية ضروري، لكنّه يجب أنْ يكون متبادلًا ومعقولًا، فالمشكلة ليست في التنازل نفسه، بل في أنْ يكون من طرف واحد فقط، أو أنْ يصبح عبئًا نفسيًا على طرف واحد فقط، فعندما يشعر أحد الزوجين أنّه يتنازل باستمرار من دون مقابل، تتحوّل العلاقة من شراكة إلى ضغط، ومع الوقت يفقد الزواج قوة الاستمرار. التنازل الحقيقي هو الذي يحافظ على العلاقة، لا الذي يُفقد أحد الطرفين ذاته، فكثير من حالات التفكّك لا تبدأ بخلاف كبير، بل تبدأ بعدم وجود حوار واضح، فالمشاكل الصغيرة التي لا تُناقش، تتحوّل مع الوقت إلى تراكمات ثقيلة، فالصمت داخل العلاقة الزوجية ليس دائمًا علامة سلام، بل أحيانًا يكون علامة تعب مؤجّل، ومع الوقت يصبح كلّ طرف أكثر انعزالًا داخل العلاقة نفسها. الضغوط الخارجية وتأثيرها لا يمكن تجاهل تأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في استقرار الأسرة، فارتفاع تكاليف الحياة، وضغط المسؤوليات، والتوقّعات الاجتماعية، كلّها عوامل تزيد من التوتّر داخل العلاقة، لكن هذه الضغوط لا تكسر العلاقة وحدها، بل تكشف مدى قوتها أو ضعفها من الداخل، والحلّ لا يكمن في المثالية، بل في الواقعية، وأنْ يدرك الطرفان أنّ الزواج ليس قصّة مثالية ثابتة، بل علاقة تحتاج إلى إدارة مستمرّة، وأنّ كلّ طرف فيه له دور، وله مسؤولية، وله مساحة من الأخذ والعطاء، ولا أحد يُعفى من الخطأ، ولا أحد يُطلب منه أنْ يكون فوق البشر. الزواج الناجح لا يقوم على فكرة الكمال، بل على فكرة التوازن، وعلى فهم أنّ الاستمرار لا يعني غياب المشاكل، بل القدرة على التعامل معها من دون أنْ تتحوّل إلى نهاية العلاقة، فالتفكّك الأسري لا يحدث فجأة، بل نتيجة تراكمات من سوء الفهم، والتوقّعات المثالية، وضعف الحوار، وعدم التوازن في تحمّل المسؤوليات، وعندما تُبنى العلاقة على الشراكة الحقيقية، والتنازل المتبادل، والوعي بأنّ الطرفين بشر لا ملائكة، تصبح الأسرة أكثر قدرة على الاستمرار حتى وسط أصعب الظروف.