رياض الزهراء العدد 234 تاج الأصحاء
في زمن التشظي: تنمية الوعي نحو إنسان متوازن لا مشتت
نعيش اليوم في مرحلة تتّسم بالسيولة العميقة، إذ تتداخل القيم وتذوب الثوابت، ويتعرّض الإنسان لوابل متّصل من المشتّتات الرقمية والمعرفية، وهذا الواقع يفرض حالة قاسية من (التشظّي النفسي) وهو فقدان الإنسان لسيادته على نفسه لصالح المحرّكات المادّية(1)، إذ ينمو الفرد في ضمن جزر منعزلة: عقل يجمع شتات المعلومات، وجسد يلاحق الاستهلاك السريع، ونفس قلقة تبحث عن انتماء تائه وسط ضجيج الافتراض، وأمام هذا التحدّي المعقّد، تبرز تربية الوعي بوصفها ضرورة وجودية لترميم الانقسام الداخلي، وإعادة بناء الإنسان المتكامل القادر على مواجهة تحدّيات عصره، فالتشظّي الذي يعاني منه الجيل الصاعد يتجاوز تشتّت الانتباه العابر؛ ليمثّل اغترابًا حقيقيًا، واستلابًا داخليًا يفقد فيه الفرد مركزية التوجيه وبوصلة المعنى، ولنا في المنهج القرآني أبلغ توصيف لهذه الحالة الوجوديّة العميقة، إذ يقول تعالى في محكم كتابه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (الزمر:29)، فالشركاء المتشاكسون يمثّلون قمّة التشظّي وتنازع المؤثّرات الخارجية، وتضارب الأهواء التي تمزّق وحدة الإنسان الإدراكية، وفي المقابل يجسّد (الرجل السلم) حالة التكامل النفسي، والانسجام الداخلي المطلق، والتوجه نحو غاية عليا توحّد طاقاته المتناثرة وتمنحه السكينة والطمأنينة(2)، وينطلق مسار توحيد الذات من إرساء دعائم (العدالة الذاتية)، وهي الميزان الذي يحفظ تعادل القوى الداخلية: (العقل، الغضب، الشهوة) تحت حاكمية البصيرة التي تعني وضع كلّ ملكة إنسانية في نصابها الصحيح، فلا يطغى الحساب المادّي البارد على حرارة الروح، ولا العاطفة الجيّاشة على الحكمة العقلية المتّزنة(3)، فهذه العدالة الداخلية هي بمنزلة جدار الحماية الأول الذي يقي الإنسان من الانزلاق في فخّ (الإنسان الآلة) الذي قد يبرع في أداء المهارات التقنية المعقّدة، غير أنّه يفتقر افتقارًا مروعًا إلى البصيرة الأخلاقية والعمق الوجودي الذي يميّز الكائن البشري؛ لذلك يتلخّص التحدّي الأكبر للأسرة والمربّين اليوم في التحوّل الواعي من نمط الأبوة القائمة على التوجيه السلوكي القسري إلى ممارسة حكمة التدبير التي تحيل البيت إلى حاضنة دافئة لتوليد الوعي، ويتحقّق ذلك عبر استعادة لغة الحوار العميق بشأن غايات الوجود، ومساعدة الأبناء على تبنّي مرجعية ذاتية تفرز المغالطات بحرّية مسؤولة، فعندما يتشرّب الطفل هذه المعاني في بيئة تفيض بالتوازن القلبي، فإنّه يبني مناعته النفسية ضدّ أيّ اختراق لهويته. إنّ النهوض بإنسان المستقبل يتطلّب شجاعة استثنائية في تبنّي نماذج تربوية تستهدف تحقيق (وحدة الوجود النفسي)، وهو مفهوم يعبّر عن تماسك الشخصية في مواجهة المشتّتات، وهو ما يُسمّى (استكمال النفس)، إذ تتحرّك القوى الإنسانية نحو كمالها المنشود بتناغم تام(4)؛ لتخريج شخصية متّزنة تفكّر بقلبها، وتتحرّك بضمير حيّ يدرك الحقائق بنور الفطرة؛ ليكون الوعي المتماسك هو الحصن الأخير لاستعادة إنسانيتنا في مواجهة التشتّت. ........... (1) المدرسة القرآنية: ص82،75. (2) تفسير الميزان: ج17، ص250. (3) التربية والتعليم في الإسلام: ص42،35. (4) الإنسان الكامل: ص120،115.