آداب الدعاء

كوثر حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 1

ليس الدعاء كلمات تُلقى في الهواء، ولا هو أمنيّات تُقال على عجل، بل هو حديث الروح مع خالقها، حوار خفيّ بين قلبٍ يعلم ضعفه مع ربٍّ يعلم حاجته. إنّ الدعاء ليس أنْ نتلفّظ بما نريد، بل أنْ نعلم أنّ الله تعالى يستجيب الدعاء في الوقت الذي يختاره سبحانه، فالإجابة ليست دائمًا على مقاس أمنياتنا، بل على مقاس رحمة الله تعالى بنا، وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في آداب الدعاء أنّه قال: "احفظ أدب الدعاء، وانظر مَن تدعو، وكيف تدعو، وحقّق عظمة الله وكبرياءه، وعاين بقلبكَ علمه بما في ضميركَ، واطّلاعه على سرّكَ، وما تكون فيه من الحقّ والباطل، واعرف طرق نجاتكَ وهلاككَ كي لا تدعو الله بشيءٍ فيه هلاككَ وأنتَ تظنّ أنّ فيه نجاتكَ، قال الله تعالى: وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا"(1). إنّها كلماتٌ من نور تُذكّرنا أنّ الدعاء ليس طلبًا فقط، بل بصيرة قلبٍ يعرف ماذا يسأل، وكم يسأل، ولماذا يسأل؟ حدّثتني امرأة ذات يوم أنّها كانت تدعو الله سبحانه ليل نهار أنْ يمنّ عليها بثلاث حاجات: أنْ يرزقها سيارة، وأنْ تسافر إلى بلدٍ كانت تحلم به، وأنْ يقلّ وزنها لتبدو أجمل، كانت تكرّر الدعاء بإصرار من دون أنْ تختمه بطلب الستر والعافية، ومضت الأيام، فأُصيبت بمرض عضال أنهك جسدها فقلّ وزنها تلقائيًا، وسافرت إلى البلد الذي كانت تحلم به، لكن سفرها كان من أجل العلاج لا السياحة، ولمّا استبدّ بها المرض والألم اشترى لها والدها سيارة جديدة، علّها تفرح بها وتخفّف عن نفسها شيئًا من الحزن، فهي نالت كلّ ما طلبت، لكن بلا عافية. ورجلٌ آخر كان يدعو الله تعالى أنْ يرزقه مالًا كثيرًا، كان يكرّر طلبه كلّ ليلة من دون أنْ يقول: اللهمّ ارزقني رزقًا طيّبًا، مع الستر والعافية، وذات يوم فُجع بابنه الوحيد الذي مات بسبب حادث مؤلم، وحصل بعدها على ديةٍ بمبلغٍ يعادل ما كان يتمّناه، فتحقّقت الأمنية، لكن بوجعٍ ما كان ليحتمله قلب بشر. إنّ الدعاء ليس لعبة الرغبات، ولا ورقة أمنيات تُرمى إلى السماء، بل الدعاء أمانة، وما ترفعه يداكِ قد يتحقّق، لكن على هيئةٍ لم تتخيّليها؛ لذلك حين ترفعين كفّيكِ للدعاء، اطلبي ما فيه رضى الله تعالى وصلاحكِ بأدبٍ يليق بعظمة مَن تدعين، وقولي: اللهمّ ارزقني ما فيه خير لي، واجعل لي في كلّ عطاءٍ عافية، وفي كلّ قضاءٍ سترًا. .......... (1) بحار الأنوار: ج٩٠، ص٣٢٢.