ثبات يورث النجاة

عهود فاهم العارضيّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 10

في عالم تُقاس فيه الأشياء بتاريخ انتهائها، يبقى العمل الصالح الاستثناء الذي لا يعرف الأفول، فكلّ شيء من حولنا له تاريخ صلاحية، وقد وُضعت هذه الصلاحية كي تبقينا في منطقة الأمان، لكن من رحمة الله تعالى العظيمة بعباده أنّه لم يجعل تاريخ صلاحية للأعمال الحَسنة، إذ قال جلّ وعلا: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) (النمل:89)، أي أنّ أثر العمل الصالح باقٍ إلى يوم القيامة ولا يفنى بفناء الجسد، وفي وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأبي ذرّ الغفاري جاء: "يا أبا ذرّ: إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله تعالى، فيُكتب له بها رضوانه إلى يوم القيامة"(1)، ولكن مثلما تفسد بعض أنواع الأطعمة قبل انتهاء صلاحيتها بتعرّضها للهواء أو الأتربة أو الحشرات، فكذلك الأعمال الصالحة قد تُمحى وتحلّ مكانها الأعمال السيّئة، وقد قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) (الفرقان:23). وهنا علينا أنْ نلتفت إلى أمرين: أولهما: ضرورة السعي إلى طلب الخيرات، وعمل الصالحات وترك السيّئات. ثانيهما: المحافظة على ثمار هذه الصالحات وهي الحسنات، وعدم التفريط بها، والأخير لا يقلّ خطورة عن الأول. ولهذا جاءت التوجيهات بضرورة الاهتمام بحُسن العاقبة، إذ نجد بعضهم ويا للأسف بعد أنْ بدؤوا تكليفهم الشرعي بأفضل ما يكون، جرفتهم أهواء النفس وحرفتهم عن طريق الصواب، وربّما لم يعودوا إليه أبدًا، ويحدّثنا القرآن الكريم عن (بلعم بن باعوراء): (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:175، 176)، وهي تشير إلى مكانته العلمية وأنّه كان عنده الاسم الأعظم، لا يدعو بدعاء إلّا ويستجاب له، ولكن بسبب انحرافه عن الحقّ انسلخ من إيمانه فخسر الدنيا والآخرة (2)، وصار مثلًا وعِبرةً للأجيال، وأنْ لا يكرّروا الخطأ نفسه، ويرشدنا أمير المؤمنين وسيّد المتّقين (عليه السلام) بقوله: "إنّ الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرنَّ شيئًا من طاعته فربّما وافق رضاه وأنتَ لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته، فلا تستصغرنَّ شيئًا من معصيته فربّما وافق سخطه معصيته وأنتّ لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته، فلا تستصغرنَّ شيئًا من دعائه فربّما وافق إجابته وأنتَ لا تعلم"(3)، فطوبى لمَن لم يكتفِ بزرع الحَسنات، بل سهر على حمايتها حتى أثمرت نجاةً. ........... (1) الكافي: ج2، ص114. (2) تفسير الميزان: ج8، ص307. (3) الكافي: ج2، ص428.