رياض الزهراء العدد 234 الملف التعليمي
حين يقرع الجرس: ماذا يحتاج الطالب للاستعداد للعام الدراسي؟
مع اقتراب موعد العودة إلى المدارس تبدأ البيوت بالتغيّر شيئًا فشيئًا: حقائب جديدة تُرتّب، دفاتر تُغلّف، أمّهات يراقبنَ ساعات النوم بقلق، بينما يحاول الآباء إقناع أبنائهم بأنّ العطلة انتهت، لكن خلف هذه التفاصيل اليومية توجد قضية أكثر عمقًا من مجرّد شراء المستلزمات أو تنظيم الوقت، ألا وهي: كيف نستقبل المدرسة نفسيًا؟ وكيف يمكن للأسرة أنْ تجعل العودة إلى الصفوف خطوةً مطمئنةً لا عبئًا ثقيلًا؟ المدرسة ليست بناءً يضمّ صفوفًا وكتبًا فقط، بل بيئة نفسية واجتماعية كاملة، يدخلها الطالب حاملًا مشاعره، وأسئلته، ومخاوفه، حتى مشاكله المنزلية؛ لذلك تُعدّ تهيئة الطفل نفسيًا قبل بدء الدراسة من أهمّ العوامل التي تنعكس لاحقًا على تحصيله العلمي، وطريقة تفاعله مع المعلّمين، وقدرته على تكوين الصداقات والتكيّف مع أجواء المدرسة. إنّ بعض أولياء الأمور يعتقدون أنّ الاستعداد للمدرسة يبدأ بشراء الملابس والقرطاسية، بينما في الحقيقة يحتاج الطفل قبل ذلك إلى الاستعداد النفسي، فبعض الطلبة يعودون إلى المدرسة وهم يشعرون بالقلق من مادّة معينة، أو من معلّم صارم، أو من تجربة سابقة تعرّضوا فيها للسخرية أو للفشل، وهناك مَن يخشى الانفصال عن المنزل بعد عطلة طويلة اعتاد فيها الراحة والحرّية، فهذه المشاعر غالبًا ما تكون صامتة، لكنّها تظهر على شكل توتّر، وعصبية، ورفض المدرسة، حتى ادّعاء المرض في الأيام الأولى، فيأتي دور الأسرة لا بوصفها جهة ضغط، بل مساحة أمان؛ لأنّ الطفل لا يحتاج إلى التهديد بالعقوبات أو المقارنات مع المتفوّقين، بل يحتاج إلى مَن يسمعه ويفهم مخاوفه، فالحوار البسيط بين الأهل وأبنائهم يصنع فارقًا كبيرًا كسؤال الطفل: ما أكثر شيء يقلقك من المدرسة؟ فهذا السؤال يمنحه فرصة للتعبير بدلًا من أنْ يبقى الخوف مخبّأ داخله. ومن الأخطاء الشائعة لدى بعض العوائل هو تحويل المدرسة إلى مصدر خوف عَبر استخدام عبارات سلبية من قبيل: إذا لم تدرسْ فسيهينكَ المعلّم، المُدرّسة ستؤدّبكِ، وغيرها من العبارات، ممّا يجعل الطفل يدخل البيئة التعليمية حاملًا صورة سلبية عنها، فالمطلوب تقديم المدرسة بوصفها مكانًا للتعلّم، والتجربة، وبناء الشخصية، لا ساحة للعقوبات والتهديد. أمّا المعلم، فهو الطرف الأكثر تأثيرًا بعد الأسرة؛ لأنّ الطالب قد ينسى شرح درسٍ معيّن؛ لكنه لا ينسى معلّمًا احترمه أو أهان مشاعره، والسنوات الدراسية الأولى تحديدًا تترك أثرًا طويلًا في نفس الطفل، والتفاصيل الصغيرة تُحدث فرقًا كبيرًا، فابتسامة المعلّم في اليوم الأول، وطريقته في التعارف، وأسلوبه في احتواء الطلبة الخجولين أو الضعفاء، كلّها تفاصيل تُبنى عليها علاقة الطالب بالدراسة طوال العام، وفي المقابل، يعيش المعلّم نفسه ضغوطًا ليست بقليلة؛ لأنّ المُعلّمين يبدؤون العام الدراسي وهم مثقلون بالأعباء الإدارية وكثافة المناهج التي يجب إكمالها في وقت قياسي مع أعداد الطلبة الكبيرة، إضافة إلى التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المجتمع عمومًا؛ لذلك لا يعتمد نجاح البيئة التعليمية على الطالب وحده، بل على تعاون حقيقي بين الأسرة، والمدرسة، والمعلّم بعيدًا عن تبادل الاتهامات وتحميل طرف واحد مسؤولية كلّ الإخفاقات؛ لأنّ الواقع الحالي يفرض تحدّيات جديدة على الطلبة لم تكن موجودة سابقًا، كالهواتف الذكية، والإدمان على الألعاب الإلكترونية، والسهر لمدّة طويلة، ممّا جعلت العودة إلى النظام الدراسي أكثر صعوبة، بخاصّة أنّ بعض الطلبة يقضون العطلة كاملة من دون أيّ حدود زمنية، ثم يُطلب منهم فجأة الاستيقاظ المبكّر والتركيز لساعات طويلة داخل الصفّ؛ لهذا لابدّ للأسرة من البدء بتهيئة أبنائها تدريجيًا قبل الدراسة بأسبوعين على الأقلّ عبر تنظيم النوم وتقليل ساعات الجلوس على الأجهزة الإلكترونية، وإعادة أجواء القراءة والالتزام اليومي بصورة هادئة وغير قاسية، إضافةً لذلك يجب ألّا تُربط قيمة الطالب بدرجاته، إذ هناك فئة كبيرة من الطلاب يمتلكون ذكاءً اجتماعيًا، أو مواهب فنّية أو قدرات قيادية؛ لكنّهم يعيشون تحت ضغط مجتمع لا يرى النجاح إلّا في الأرقام والنتائج، وهذا الضغط النفسي يحوّل الدراسة إلى عبء مرهق بدلًا من أنْ تكون رحلة لبناء الإنسان، وجعله محطّ فخر لعائلته حتى عندما يتعثّر؛ لأنّ الدعم النفسي الحقيقي هو ما يمنح الطفل القدرة على النهوض من جديد، مثلما أنّ المدرسة الناجحة ليست التي تُخرّج الأوائل فقط، بل التي تصنع إنسانًا متوازنًا نفسيًا، قادر على التفكير والحوار وتحمّل المسؤولية، والأسرة الواعية ليست التي تراقب الدرجات يوميًا، بل التي تنتبه إلى مشاعر أبنائها وتغيّراتهم النفسية وسلوكهم داخل البيت، إذ لا يبدأ استقبال المدرسة من باب الصفّ، بل من داخل المنزل عن طريق أسلوب الحديث عن الدراسة وشكل العلاقة بين المربّين وأبنائهم، والرسائل النفسية التي تصل إلى عقل الطفل كلّ يوم؛ ليشعر الطالب أنّ المدرسة امتداد للأمان الموجود في بيته كي يدخل عامه الدراسي بثقة أكبر وقدرة أفضل على التعلّم والنجاح. يبقى التعليم رسالة مشتركة لا تنجح إلّا حين تتكامل فيها أدوار الأسرة، والمعلّم، والمدرسة؛ لأنّ كلّ كلمة دعم وكلّ احتواء لمخاوف الطفل تصنع مستقبلًا أكثر استقرارًا وإنسانية؛ لأنّ بناء الطالب نفسيًا لا يقلّ أهمّية عن تعليمه القراءة والكتابة.