عندما تصبح التكنولوجيا بوابة للنجاح

زهراء جبّار عبد الحسين/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 62

لم تكن (أمنية) ترى في القراءة مجرّد هواية عابرة بل كانت ملاذها الأول، تعشق رائحة الورق والحبر، وتوثّق يومياتها وخواطرها بعناية تشبه شغفها بالحياة، غير أنّ القدر لم يمهلها طويلًا فغادرت مقاعد الدراسة في سن الثانية عشرة من دون أنْ تدرك حينها حجم ما فقدته. مضت السنوات وتبدّلت ملامح الحياة سريعًا لتجد نفسها أرملة في عامها العشرين، تحمل على عاتقها مسؤولية طفل رضيع، وبين وطأة فقد الزوج وضيق الحال، اختارت أنْ تنهض من ركام الألم لتعيد تشكيل حياتها من جديد، فعملت في وظيفة تألّقت فيها وأثبتت كفاءة لافتة، لكنّ سؤالًا ظلّ يؤرّقها: أين شهادتها؟ كيف لهذه القدرة أنْ تقف من دون سند أكاديمي؟ لم تستسلم (أمنية) لنظرات الشكّ من حولها، بل حوّلتها إلى دافع فقرّرت أن تستعيد ما فاتها، فبدأت رحلتها التعليمية من جديد عَبر نظام الدراسة الخارجية. كانت إمكاناتها المادّية محدودة لا تتيح لها الالتحاق بمعاهد تقوية، مثلما أنّ يومها كان مثقلًا بين العمل ومسؤوليات المنزل ورعاية والدتها المسنّة، ومع ذلك وجدت في التكنولوجيا نافذتها نحو الأمل، وذلك عن طريق المنصّات الإلكترونية وعلى رأسها تطبيق (YouTube)، فتابعت دروسها بإصرار تستثمر كلّ دقيقة متاحة حتى في أوقات الاستراحة في أثناء العمل، كانت تدوّن ملاحظاتها بدقّة وتبني معرفتها خطوة بعد أخرى متيقّنة أنّ الجهد لا يضيع، ومع مرور الوقت أثمرت تلك الرحلة عن نجاحها في نيل الشهادة الثانوية لتفتح لنفسها بابًا نحو التعليم الجامعي. قصّة (أمنية) ليست حكايةً فرديةً، بل أنموذجًا حيًّا يسلّط الضوء على الدور المتنامي للتكنولوجيا في دعم العملية التعليمية، بخاصّة للطلبة الذين حالت ظروفهم دون إكمال دراستهم النظامية، إنّها أنموذج واقعي على إمكان الاستثمار الإيجابي للوسائل الرقمية وقدرته على تحويل العوائق إلى فرص ممّا منح التعليم معنى أوسع يتجاوز حدود الصفوف التقليدية، وفي هذا السياق تأخذنا مجلة رياض الزهراء (عليها السلام) إلى رحلة معرفية عن كيفية استثمار التكنولوجيا تعليميًا: ترى الإعلامية عفاف الغزالي: أنّ التكنولوجيا أصبحت أداة أساسية وليست مكمّلة لكونها سهّلت الوصول إلى المعرفة، ووفّرت مصادر متعدّدة ومرنة بخاصّة لذوي الدخل المحدود؛ لكنّها تحتاج إلى إدارة صحيحة وصارمة حتى تكون فعّالة، وأتاحت التعليم للجميع وعزّزت من الاستقلالية، وطوّرت المهارات الرقمية، وساعدت على تحسين التحصيل، وفتحت مجالات للتعلّم والعمل في الوقت نفسه؛ لكنّها في المقابل أظهرت فجوة رقمية واضحة بسبب ضعف الإنترنت وارتفاع تكاليف الأجهزة وعدم تكافؤ الفرص، إلّا أنّها من ناحية أخرى وسعت فرص العمل عن بُعد وساعدت على اكتساب مهارات جديدة وربطت التعلّم بسوق العمل؛ لكنّها تتطلّب تطوير مستمرّ للمهارات. من جانبها تقول التدريسية سوزان الشمّري: إنّ التكنولوجيا أصبحت اليوم أداة لا يمكن الاستغناء عنها في العملية التعليمية، مؤكّدة أنّ استخدامها بشكل صحيح يفتح آفاقًا واسعة أمام الطلبة بخاصّة الدارسين في ضمن نظام الدراسة الخارجية، مثلما أنّ المنصّات التعليمية وفّرت بدائل حقيقية للشرح التقليدي، إذ يستطيع الطالب إعادة الدرس أكثر من مرّة وَفق سرعته الخاصّة، وهو أمر مهمّ جدًا لمَن لم يحالفهم الحظّ في الاستمرار بالتعليم النظامي، ومن المهمّ التأكيد على أنّ التحدّي لا يكمن في توافر التكنولوجيا بقدر ما يكمن في توجيه الطلبة نحو استخدامها بوعي بعيدًا عن مصادر التشتّت. أمّا أمّ حسين/ ربّة بيت فأكّدت قائلة: إنّ الإنترنت كان له دور كبير في مساعدتي على متابعة تعليم أطفالي، بخاصّة في المراحل الأولى، وأعتمد على تطبيق (YouTube) حتى أفهم الدروس قبل شرحها لهم، وهذه التجربة لم تساعد أبنائي فقط، بل منحتني ثقة أكبر بنفسي وجعلتني أكثر قدرة على مواكبة متطلّبات التعليم الحديث؛ لأنّ الإنترنت صار أشبه بالأستاذ الإضافي داخل البيت لو استُخدم بطريقة صحيحة. وتوضّح الدكتورة سليمة سلطان نور/ اختصاص لغة عربية: لم تعد التكنولوجيا مجرّد وسيلة مساعدة، بل هي جزء أساسي من تفاصيل الحياة اليومية، إذ تحوّلت الأجهزة الذكية إلى أدوات متاحة للجميع، وأنّ جوهر الثورة التكنولوجية يكمن في دعم التعليم والتوجيه المعرفي، ممّا جعلها رافدًا مهمًّا لا يمكن الاستغناء عنه في العصر الحديث، لكنّها على الرغم ممّا توفّر من مزايا عديدة، تبقى سلاحًا ذا حدّين، إذ يعتمد تأثيرها على كيفية استخدامها، بخاصّة أنّ الأجيال المعاصرة تنتمي إلى زمن مختلف في التفكير والتوجّهات الذهنية، الأمر الذي أوجد فجوة تقنية ومعرفية بينها وبين الأجيال السابقة، ممّا دفعهم إلى الاعتماد بشكل أكبر على التعليم الإلكتروني، ومع ذلك نؤكّد أنّ التعليم عن طريق التكنولوجيا لا يمكن أنْ يكون بديلًا كاملًا عن التعليم التقليدي بل مكمّلًا له، إذ يبقى هذا النوع من التعليم مربّعًا ينقصه ضلع، يتمثّل في التفاعل الإنساني المباشر الذي يُعدّ عنصرًا مهمًّا في بناء العملية التعليمية المتكاملة. وشاركتنا الاستشارية هند مفتن قائلة: أتاحت التكنولوجيا فرصًا واسعة للوصول إلى المعرفة عن طريق المنصّات التعليمية والدورات المجانية والمكتبات الرقمية، ممّا مكّن الطلبة على اختلاف مستوياتهم لاسيّما ذوي الدخل المحدود من الاستفادة من مصادر تعليمية حديثة ومتنوّعة من دون قيود زمانية أو مكانية، إذ أصبح للتكنولوجيا دور محوري في توسيع فرص التعلّم وتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، وأسهمت الأدوات الرقمية والمنصّات التعليمية بشكل ملحوظ في تقليل الفجوة التعليمية بين الطلبة عن طريق إتاحة محتوى عالي الجودة بصورة مجانية أو منخفضة التكلفة، مع إمكانية الوصول إلى محاضرات عالمية أو متابعة شروحات متقدّمة بسهولة، وعلى الرغم من وجود بعض التحدّيات كضعف الاتّصال بالإنترنت أو نقص الأجهزة، فإنّ التأثير الإيجابي للتكنولوجيا يبقى واضحًا في قدرتها على تقريب المسافات المعرفية وفتح آفاق تعليمية أوسع عند توافر بيئة داعمة لاستخدامها، بخاصّة لدى طلبة التعليم الخارجي، إذ وفّرت لهم بيئة تعليمية مرنة قائمة على التعلّم الذاتي ومكّنتهم من تنظيم وقتهم والتوفيق بين الدراسة والالتزامات الأخرى، مثلما ساعدتهم على تنمية مهارات مهمّة كالبحث العلمي وإدارة الوقت والتعلّم المستقلّ، ممّا انعكس إيجابًا على مستوى تحصيلهم الدراسي وزاد من فرص نجاحهم الأكاديمي. أسهمت التكنولوجيا في تنويع أساليب التدريس وجعلها أكثر تفاعلًا وجاذبية عَبر استخدام الوسائط المتعدّدة والتطبيقات التعليمية، ممّا ساعد على مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة وتحسين مستوى الفهم والاستيعاب، ولضمان تحقيق الاستفادة العادلة من هذه الإمكانات تبرز الحاجة إلى تبنّي سياسات ومبادرات داعمة، كتوفير الأجهزة بأسعار مدعومة للطلبة من ذوي الدخل المحدود، وتحسين خدمات الإنترنت، وإنشاء منصّات تعليمية مجّانية ذات جودة عالية، إلى جانب تدريب الطلبة والمعلّمين على استخدام التكنولوجيا بكفاءة، فهذه الإجراءات من شأنها أنْ تعزّز من شمول جميع الفئات، وتضمن توظيف التكنولوجيا بصفتها أداةً لتحقيق العدالة التعليمية.