فطرة التوحيد

رجاء علي البوهاني/كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 10

تتعدّد الدوافع التي تحفّز الإنسان للبحث من أجل معرفة الله (عزّ وجلّ)، فإنّ أول الأسئلة التي تلحّ على الإنسان للبحث عن إجابة شافية هو: من أين أتيتُ؟ ثم تتوالى على ضوء جواب هذا السؤال باقي الأسئلة المهمّة، وهي: من أين؟ وإلى أين؟ فهذه الأسئلة هي الأولى التي تطرح نفسها على الباحث عن الحقيقة، فالإنسان مجبول على التديّن في أصل فطرته، إذ يقول تعالى: )فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ((الروم:30)، وليس معرفة الله تعالى هي أمر فطري فقط، بل الدين والتديّن بشكل كلّي وفي جميع أبعاده هو أمر فطري، فهو سنّة الحياة والسبيل التي يجب على الإنسان أنْ يسلكه حتى يسعد في حياته، وقد أشار النبي (صلّى الله عليه وآله): "كُلّ مولود يُولد على الفطرة فأبواه يُهوّدانه أو يُنصّرانه"(1)، ويؤكّد التاريخ البشري أنّ التديّن والبحث عن القوة المطلقة العليا متأصّل في أقدم الحضارات والمجتمعات البدائية، إذ يُنقل عن المؤرّخ (Plutarchus): (لقد وجدتُ في التاريخ مدنًا بلا حصون، ومدنًا بلا قصور، ومدنًا بلا مدارس، ولكن لم أجد مدنًا بلا معابد)(2). لقد أودع الله سبحانه في فطرة الإنسان هداية تأخذ بيده إلى النجاة، وهي ما عُبّر عنها بالهداية العامة التي يشترك فيها جميع البشر، فهم على نحو التكوين مهتدون جميعًا، وقد عبّرت عنها النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة بـ(الفطرة)، و(الفطرة) لغةً: مأخوذة من مادّة (فَطَرَ)، وقد ورد استعمال هذه الكلمة بمعنى الابتداع، والاختراع، والشقّ طولًا، والإيجاد، والإبداع(3)، وبذلك يكون أحد معاني هذه الكلمة هو الخلق والإيجاد، فعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: سألتُه عن قول الله (عزّ وجلّ) ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ما تلك الفطرة؟ فقال (عليه السلام): "هي الإسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد"(4)، ففي الحديث إشارة إلى عالم الذرّ، إذ قال تعالى: )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا( (الأعراف:171)، فالفطرة على معرفة الله تعالى وعلى التديّن هي طبيعة خاصّة بالإنسان غير قابلة للزوال، لكنّها تقبل الضعف والوهن، فمع كونها ثابتة في واقع الفطرة إلّا أنّها محجوبة بحُجب الغفلة والهوى، فلا تستقيم إلّا بالتنبيه والتذكير، فعلى الرغم من كون صبغة الله تعالى التي فطر عليها عباده هي معرفته، إلّا أنّ هذه المعرفة غير كافية ليسلكوا طريق النجاة من دون الاقتداء بشريعة السماء التي تتكفّل ببيان ما يجب أنْ يكون عليه المهتدي من أعمال وأحكام، فلا تتحقّق نجاة من دون هدي الأنبياء والمرسلين والأوصياء (عليهم السلام) . ............ (1) الخلاف: ج3، ص591. (2) قصّة الحضارة: ج1، ص68-70. (3) صحاح اللغة: ج2، ص781. (4) الكافي: ج2، ص12.