الدور الرسالي للمرأة في ضوء القرآن الكريم

رحاب حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 38

منح الله سبحانه المرأة مكانة واضحة بعدّها عنصرًا فاعلًا في بناء الحياة الإنسانية، وجاء هذا الاهتمام نتيجة سعي الإسلام إلى بناء مجتمع مسلم متكامل، ولمّا كان المجتمع يتكوّن من الرجل والمرأة عنى بهما معًا؛ لأنّ المرأة هي الشقّ الثاني الذي يتكوّن منهما المجتمع، فلم يعتنِ الإسلام بأحدهما ويهمل الآخر، بل أكّد أنّ لكلاهما دوره في بناء المجتمع وتكوين بنيته الاجتماعية(1). لم ينظر القرآن الكريم للمرأة نظرة هامشية، بل قدّمها بوصفها شريكةً للرجل في حمل رسالة الحياة بالإيمان والعمل الصالح وتعزيز القيم، ويتّضح ذلك في الآيات القرآنية التي قدّمت نماذج من النساء اللواتي كان لهنَّ الأثر الواضح في طريق الهداية والثبات على الحقّ، فكانت المرأة مدرسةً للصبر، وركنًا متينًا في الدعوة إلى الله تعالى، مثلما ورد في قوله تعالى: )وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ( (القصص:7)، إذ بيّنت الآية الكريمة دور أمّ موسى (عليه السلام) في الثبات والتضحية. ونتيجة لمواقف المرأة وتضحيتها جعلها الله (عزّ وجلّ) مثالًا للإيمان، وقدوةً للمؤمنين كامرأة فرعون، فقال تعالى: )وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ( (التحريم:11)، إضافةً إلى أنّ القرآن الكريم وقف على مكانة المرأة العفيفة ودفاعها عن الحقّ كمريم ابنة عمران (عليها السلام)، إذ قال تعالى: )وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا( (التحريم:12)، فيتجلّى دور المرأة الرسالي؛ لما يحمله هذا الموضوع من أبعاد تربوية وفكرية واجتماعية مهمّة، تسهم في فهم حقيقة مكانة المرأة ودورها في ضوء الدين الإسلامي، إذ يُقصد بدور المرأة الرسالي الوظيفة الإيمانية والإنسانية التي تؤدّيها في نشر القيم الإلهية، والدفاع عن الحقّ، وتربية الأجيال الصالحة، والإسهام في إصلاح المجتمع وفق المنهج الإلهي، وقد قال تعالى: )إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( (الأحزاب:35)، فضلًا عن الدلالة على وحدة التكليف والمسؤولية في حمل أُسس الإيمان، إذ قال تعالى: )وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ( (التوبة:71). لقد حفل تاريخ البشرية بنماذج مصطفاة قد اختارها الله تعالى لتكون مثالًا للكمال الإنساني كأمّ المؤمنين السيّدة خديجة الكبرى (عليها السلام) التي آزرت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جميع الظروف، حتى قال (صلّى الله عليه وآله) في حقّها: "ما قام ولا استقام ديني إلّا بشيئين: مال خديجة وسيف عليّ بن أبي طالب"(2). إنّ المرأة شريكة الرجل في عملية بناء الحياة الطيّبة، ومؤثّرة فاعلة في المجتمع الإسلامي، فضلًا عن النماذج النسوية التي قدّمها القرآن الكريم، نجد في بيت الرسالة النساء الكاملات كالسيّدة زينب (عليها السلام) في جميع مواقفها في الحياة بخاصّة في طفّ كربلاء، وجهادها منقطع النظير. إنّ نهضة المجتمع الإسلامي تتحقّق بأداء المرأة المؤمنة لدورها الإيماني بفاعلية على مختلف الصعد، فالمرأة المؤمنة لابدّ من أنْ تدرك مسؤوليتها في التربية والإصلاح، وأنّها منارة الهداية مثلما أراد لها القرآن الكريم ذلك. ............. (1) دور المرأة والأسرة في الإسلام: ص28. (2) شجرة طوبى: ج2، ص233. (3) بحار الأنوار: ج43، ص134.