مسابقة (الفرقان) القرآنية الوطنية الثامنة.. تنافس يؤسس لحضور قرآني أوسع
تتجاوز مسابقات حفظ القرآن الكريم حدود اختبار الذاكرة واستحضار الآيات، عندما تنتقل حافظة كتاب الله العزيز إلى مساحة التنافس التي تكشف عن قدرتها على تثبيت محفوظها وأدائه وفق أحكام التلاوة، وفي هذا السياق جاءت مسابقة (الفرقان) القرآنية الوطنية الثامنة التي أقامها معهد القرآن الكريم النسوي في النجف الأشرف التابع لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة، بمشاركة (52) حافظة من (6) محافظات عراقية، تنافسنَ في ضمن (3) فئات للحفظ شملت (15، و20، و30) جزءًا. وجمعت المسابقة الحافظات من بيئات قرآنية متعدّدة، فمن بين الحافظات شاركت طالبات معهد القرآن الكريم النسوي ومراكزه وفروعه، وحافظات أخر مثّلنَ المؤسّسات القرآنية والعتبات المقدّسة، ممّا جعل المنافسة مجالًا لالتقاء تجارب مختلفة في الحفظ والمراجعة والتدريب. ولم تقف أهمّية هذا التنوّع عند تعدّد الجهات المشاركة، بل امتدّت إلى طبيعة الاختبار نفسه، فالحافظة خاضت المنافسة وهي مطالبة بإظهار ما حفظته أمام معايير موحّدة، وفي مواجهة حافظات خضعنَ للضوابط ذاتها، الأمر الذي جعل مستوى الإتقان عنصرًا أساسيًا في تحديد النتائج. الحفظ بوصفه بداية الاختبار يمثّل مقدار المحفوظ نقطة الانطلاق في المسابقة، لكنّه لا يشكّل لوحده معيار الحكم على أداء الحافظة، فاختبار (15) جزءًا، أو (20) جزءًا، أو (30) جزءًا يعني امتلاك مساحة واسعة من النصّ القرآني واستحضار المحفوظ بدقّة، إلّا أنّ المنافسة تضيف إلى ذلك قدرة الحافظة على استدعاء المحفوظ بصورة سليمة ومستقرّة؛ لذلك اعتمدت اللجنة التحكيمية مجموعة من المعايير التي تتّصل بجوانب مختلفة من الأداء القرآني، في مقدّمتها جودة الحفظ، وأحكام التجويد، والوقف والابتداء، إلى جانب الصوت والنغم. وأوضحت عضو لجنة التحكيم السيّدة إثمار حسن أنّ تقييم المشاركات قام على هذه الجوانب مجتمعةً، مع تعريف الحافظات على ضوابط التقييم وآلية احتساب الدرجات قبل خوض المنافسة، وهذه الآلية جعلت الحفظ جزءًا من منظومة أوسع؛ فالحافظة قد تمتلك محفوظًا واسعًا، لكنّ الاختبار يكشف عن مدى قدرتها على استحضاره وضبطه وأدائه وفق القواعد القرآنية. عندما تصبح التفاصيل معيارًا تزداد دقّة التحكيم كلّما ارتفعت مستويات المشاركات وتقاربت نتائجهنَّ، إذ لا تعود الفروق واضحة في أساسيات الحفظ، بل تظهر في تفاصيل الأداء، وهذا ما رصدته عضو لجنة التحكيم السيّدة ذكرى عامر التي أشارت إلى ارتفاع مستويات الحفظ والأداء لدى المشاركات، إلى جانب جودة التلاوة وسلامة مخارج الحروف والتطبيقات التجويدية، مؤكّدة أنّ محدودية حالات الخطأ والإخفاق جعلت عملية التقييم بحاجة إلى دقّة أكبر في رصد التفاصيل، فالمنافسة هنا لا تقيس قدرة الحافظة على تذكّر الآية فحسب، بل وضعتها أمام مجموعة من الاختبارات المتداخلة: هل استحضرت الآية بصورة صحيحة؟ هل نطقت الحروف من مخارجها الصحيحة؟ هل طبّقت الحكم التجويدي في موضعه؟ هل أحسنت الوقف والابتداء؟ وكيف ظهر ذلك كلّه في أدائها الصوتي؟ وتصبح الإجابة عن هذه الأسئلة جزءًا من الدرجة النهائية، وهو ما يفسّر أهمّية عمل اللجنة التحكيمية في المسابقات ذات المستويات المتقدّمة. أسئلة بمستوى المنافسة ترتبط دقّة التحكيم بطبيعة الأسئلة التي تُعدّ للحافظات، إذ لا يمكن قياس المستوى المتقدّم من الحفظ باختبار لا يتناسب مع قدرات المشاركات، وبحسب عضو لجنة التحكيم السيدة ذكرى عامر، وُضعت الأسئلة بما يتناسب مع طبيعة المسابقة الوطنية ومستوى الحافظات، وشكّلت الأسئلة ذات المستوى الصعب النسبة الأكبر، مع تسجيل حالات معدودة من الخطأ والإخفاق. وتكشف هذه المعطيات عن جانب آخر من طبيعة المنافسة، فصعوبة السؤال لا تنفصل عن مستوى الحافظة، بل تضع قدرتها على الاستحضار أمام اختبار حقيقي، لاسيّما عندما تتعدّد المواضع التي يمكن أن تتطلب سرعة الانتقال بين الآيات وربط محفوظها ببعضه، ومن هنا تصبح المراجعة المستمرّة جزءًا أساسيًا من الاستعداد؛ لأنّ اتساع المحفوظ يفرض على الحافظة مسؤولية المحافظة عليه، فيما يكشف الاختبار مدى ثباته عند الانتقال من بيئة الدراسة والمراجعة إلى بيئة المنافسة. التحكيم.. قراءة متكاملة للأداء لم تُسند عملية التقييم إلى جهة واحدة، إذ توزّعت المهامّ المرتبطة بالمنافسة بين إعداد الأسئلة، والتحكيم، والتدقيق، ممّا وفّر مراحل متعدّدة للتعامل مع نتائج الاختبار. واستمعت اللجنة إلى أداء الحافظات وفق المعايير المحدّدة، ثم تابعت عناصر الحفظ، والتجويد، والوقف والابتداء، والصوت والنغم؛ لتكون النتيجة النهائية حصيلة قراءة متكاملة لأداء المشاركة. واكتسبت هذه الآلية أهمّية خاصّة في ظلّ تقارب المستويات، فكلّ درجة صارت مرتبطة بتفصيل محدّد، وكلّ ملاحظة أثّرت في ترتيب المشاركات ضمن الفئة نفسها؛ لذلك لم تنحصر مهمّة المحكّمة على رصد الخطأ، بل شملت متابعة سلامة الأداء وتحديد مستوى الإتقان في كلّ جانب من جوانب الاختبار. منافسة جمعت التجارب القرآنية المتعدّدة أسهمت مشاركة الحافظات من (6) محافظات عراقية في توسيع نطاق المسابقة، إذ جمعت حافظات من النجف الأشرف، وكربلاء المقدّسة، وبغداد، والبصرة، وواسط، وذي قار، إلى جانب المشاركات من المؤسّسات الدينية والعتبات المقدّسة وفروع المعهد ومراكزه. ومنح هذا التنوّع المسابقة بعدًا تجاوز المنافسة الفردية، فكلّ مشاركة حملت معها تجربة تعليمية وبيئة قرآنية وطريقة في الحفظ والمراجعة، ثم التقت جميعها أمام معايير واحدة، وبيّنت عضو اللجنة التحضيرية الدكتورة إسراء العكراوي أنّ هذا النوع من المسابقات يسهم في الارتقاء بمستوى الحافظات وتثبيت حفظهنَّ، فضلًا عن تأهيلهنَّ للمشاركة في المحافل والمسابقات القرآنية الوطنية والدولية. وهنا تظهر قيمة المنافسة بوصفها وسيلة لقياس المستوى وتطويره في آن واحد، فالحافظة لا تحصل على النتيجة فحسب، بل تتعرّف عن طريق التجربة على مستوى أدائها وما تحتاج إليه من مراجعة وتدريب. (9) فائزات ونتيجة تتجاوز التتويج أسفرت المنافسة عن فوز (9) حافظات بواقع (3) فائزات عن كلّ فئة من فئات الحفظ الثلاث، بعد استكمال مراحل الاختبار والتحكيم والتدقيق، إلّا أنّ النتيجة النهائية لا تختصر المسابقة في المراتب التي حصلت عليها الفائزات، فالمنافسة نفسها مثّلت تجربة لجميع المشاركات، ووضعت الحافظة أمام تقييم عملي لما بذلته من جهد في الحفظ والمراجعة والاستعداد. وأكّدت مسؤولة معهد القرآن الكريم النسوي السيّدة منار جواد الجبوري أنّ قيمة المسابقة لا تنحصر في الحصول على المراتب الأولى، بل ترتبط بشرف حمل كتاب الله تعالى وما تبذله الحافظة من جهد في حفظه ومراجعته، ويعكس هذا التصوّر طبيعة المسابقة بوصفها جزءًا من مسار قرآني مستمرّ، لا محطّة تنتهي بإعلان النتائج، فالفوز يمثّل ثمرة مرحلة من العمل، فيما تبقى المراجعة والإتقان مسؤولية مستمرّة للحافظة. من الحفظ إلى الإتقان قدّمت النسخة الثامنة من مسابقة (الفرقان) القرآنية صورة واضحة عن التحوّل من مفهوم الحفظ بوصفه كمّية محفوظة إلى الحفظ بوصفه أداءً متقنًا قابلًا للاختبار، وبين مقدار المحفوظ ودقّة استحضاره وسلامة أدائه، كشفت المسابقة أنّ تثبيت القرآن الكريم لا ينفصل عن مراجعته المستمرّة، وأنّ الإتقان لا يُقاس بما تحفظه الحافظة فقط، بل بقدرتها على صون محفوظها وإظهاره بالصورة التي تليق بكتاب الله تعالى. ومن هذه الزاوية، تكتسب مسابقة (الفرقان) قيمتها بوصفها مساحة لاختبار المستوى القرآني للحافظات، وتحفّزهنَّ على مواصلة المراجعة، وتطوير الأداء، والاستعداد لحضور أوسع في المسابقات والمحافل القرآنية.