رياض الزهراء العدد 235 هندسة الحياة
محلك سر
مثلما قرأتِ تمامًا (محلّكَ سر)، أبقي عينيكِ على هذا المقال واكملي قراءته بتمعّنٍ وفهمٍ عميقٍ قبل أنْ تقلبي الصفحة، إذ إنّه يلامس جوانب مهمّة في الحياة ربّما غفلنا عنها لبرهة من الزمن، وآن الأوان كي نبدأ رحلة التغيير نحو الأفضل بعون الله تعالى. تأمّلتُ هذه العبارة كثيرًا، وأخذتني معها إلى ذكريات الطفولة حيث كنتُ أتعجّب عند سماعها ولا أدرك معناها، أو كيف تتحقّق (محلّكَ سرْ)؟ كيف يكون الشخص في محلّه ومكانه ويسير في الوقت ذاته؟ وعندما عرفتُ الإجابة عبر مشهد تلفزيوني لعسكري يقوم بخطوات قوية سريعة وبالشكل نفسه بلا أدنى تغيير، ظننتُ آنذاك أنّي قد حللتُ لغز الجملة إلى درجة بتُّ أطبّقها عبر حركات صغيرة تحاكي مشهد الرجل العسكري. والآن بعد مضي سنوات كثيرة تفصلني عن التفسير الطفولي، لمحت عيناي تلك العبارة ذاتها، لكن بنظرة تختلف تمامًا عن سابقتها، فكان للمشهد أبعاد وزوايا لا تُعدّ ولا تحصى من المعاني والأهداف لجملة تنطق بأوضاع تقيّد العقول قبل الأطراف، فكم من الأشخاص من حولنا هم فعليًا بلا حركة ولا تغيير، يطوون سنوات العمر وهم يراوحون في مكانهم، مثلما جاء في قوله تعالى: )الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا( (الكهف:104). هذه الحالة تشبه الحركة الدؤوبة من دون توقّف في دائرة مفرغة، فنجد هناك مَن يحدّث نفسه عن الكثير من الخطط والأهداف التي يريد أنْ يقوم بها وهو مستلقٍ على سريره أو جالس يشاهد التلفاز، فيقوم برسم يوم مثالي قادم، ومن ثم يبدأ ذلك اليوم وينتهي وهو يقوم برسم المزيد من الخطط، وتكون الخاتمة المحزنة عندما يضع رأسه على الوسادة ويقضّ مضجعه شعور الندم على ضياع هذا اليوم بلا تنفيذ أيّ ممّا رسمه في ذهنه؛ ليبدأ برسم الخطط مرّة أخرى، ويستمرّ على هذا المنوال إلى ما لا نهاية. هذا الاجترار للأفكار والأهداف هو ترجمة فعلية لمحلّكَ سر، فلا تأثير لكلّ ما وُضع على قائمة العمل، بل كان جهدًا ذهنيًا رافقه ضياع للوقت وكلّ أيام العمر. من المهمّ أنْ يبدأ الإنسان بإصلاح الصدع الصغير في طريقة تفكيره التي تقود إلى اللامبالاة بأهمّية الدقائق التي تمرّ مرور الكرام، وذلك عن طريق السعي إلى إنجاز خطوة بسيطة لكسر حالة الجمود والخروج من الدائرة المفرغة، مثلما أنّ لتغيير المكان بمجرّد أنْ يشعر المرء أنّه يُحدّث نفسه ويكرّر الجمل ذاتها، الدور الكبير في كسر تلك الدائرة. تحرّري من دوّامة الدوائر المفرغة إلى فضاء الإنجاز واستثمار الوقت كي لا تبقي في منطقة (محلّكَ سِرْ).