رياض الزهراء العدد 235 الحشد المقدس
مفتاح الجنة
منذ أنْ غادر مدينته متّجهًا نحو السواتر، لم يكن (جاسم) يحمل في جيب بدلته العسكرية تعاويذ للنجاة، أو تحصينًا من الأخطار، بل كان يحمل مفتاح بيتهم الطيني وقليلًا من حبّات الهيل التي كان يدسّها في فمه كلّما صرخت بطنه جوعًا. (جاسم) مقاتل لفحت وجهه شمس الجنوب، وأضاء في عينيه بريق يشبه هدوء دجلة قُبيل العاصفة، فيخوض معارك شرسة وعنيفة، وقف بإزائها بكلّ قوة وصبر حتى كان رفاقه يقولون عنه: جاسم شهم لا يتكرّر، لا يهاب الموت حقًّا، وفي ليلة باردة تنحّى القمر فيها واختفى على مشارف تلعفر، حُوصرت فرقته داخل مدرسة مهجورة، أمست جدرانها وصفوفها تسرد حكايا الأطفال في أثناء اصطفافهم في باحة المدرسة بينما يرفرف العلم عاليًا على الرغم من محاولات الأوباش المتكرّرة في هدم هذا الوقوف الأبيّ الذي يصدح فيه نشيد (موطني) على شفاه الصغار بترنيمته العذبة التي تحطّ على صحائف قلوبهم البريئة كأنّها حمامات السلام. تلك الصورة الأثيرة في ذاكرة (جاسم) كانت تتآكل مع كلّ رصاصة قنص تمزّق السكون، وتسرق بسمة الصغار من صفوفهم، وفي تلك اللحظات الحرجة شارفت مخازن العتاد على النفاد، حينها لم يكن (جاسم) يفكّر في نجاة نفسه، بل ينظر إلى المارّة على جانبي طريق محتشد بالناس، وأطفال ينامون بأمان وسكون وطمأنينة، التفت يفتّش عمّا يعيده إلى لحظته الآنية الموجعة بعدما تلقّفتها صور الخيال الواسعة، فلم يجد سوى رفيقه الجريح الممدّد بجانبه، ابتسم بدماثة وربّت على كتفه قائلًا: يا صاحبي، الموت أهون من حياة تحت وطأة أرباب متفرّقين، والله هو الواحد القهّار، فإمّا حياة مع النصر، أو شهادة يحيى بها الوطن بها، وما إنْ أتمّ حديثه حتى لمح انتحاريًا يرتدي حزامًا ناسفًا يحاول التسلّل من باب المدرسة الخلفي لتفجير المبنى ومّن فيه، فهُرِع بلا تردّد وبسرعة أذهلت رفاقه جرى (جاسم) نحوه معرّضًا صدره لوابل الرصاص، فلم يتراجع ولم ينحنِ، بل هجم كالأسد وسط عباب النيران حتى احتضن الانتحاري بقوة ودفعه بعيدًا عن المدرسة ببضعة أمتار، ثم انفجر الحزام، دوّى الصوت مزلزلًا الأرض، لكنّ المدرسة وباقي الأبطال نجوا، ولمّا هدأت الأنفاس وخمد لهيب القنبلة، اقترب رفاق (جاسم) من موقع الانفجار، لم يجدوا من (جاسم) سوى بقايا بدلته العسكرية الممزّقة، وفي جيبها مفتاح البيت الذي صهرته الحرارة، ورائحة الهيل الزكية التي غلبت رائحة البارود. لم يمت (جاسم)، بل صار هو المفتاح الذي فُتحت به أبواب النصر والحرّية، وانجلت الغبرة عن كاهل الوطن الأشمّ بأسره كرامةً لشهيد الحشد الأبيّ.