الغيرة بين الأشقاء: حين يتحول التمييز إلى صراع طويل الأمد

زهراء جبّار عبد الحسين/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 10

خلف أسوار بيت الحاجّ (أبو ليث) كانت تقبع قصّة أخوين بالدم لكنّهما غريبان عن بعضهما في الواقع، تلك الحكاية كتبها (أبو ليث) بنفسه، إذ لم يكن يظنّ أنّ أسلوب المقارنة الذي اتّبعه مع ولديه بغية تحفيزهما على النجاح في كلّ مفاصل الحياة وليس التعليم فقط، قد غرس بذور الغيرة الصامتة بين الشقيقين حتى كبرت معهما وتحوّلت من مشاعر عابرة في الطفولة إلى جدار من الجفاء في الكِبر. إنّ الغيرة بين الإخوة شعور طبيعي لكنّها قد تنقلب إلى صراع طويل الأمد إذا لم يُفهم جذورها ويحسن التعامل معها داخل الأسرة، إذ يمكن أنْ تتجذّر وتتحوّل إلى عداوة في المستقبل، وفي هذا الصدد كان لمجلة رياض الزهراء (عليها السلام) جولة استطلاعية للبحث في مضامين التمييز بين الأبناء وما له من تبعات اجتماعية. حدّثتنا أمّ يوسف/ موظّفة متقاعدة عن تجربتها: كنتُ أكثر من مديح ابني الأكبر دائمًا؛ لأنّه كان متفوّقًا ولم أكن ألاحظ أنّ أخاه الأصغر بدأ يبتعد عنه ويحمل بداخله ضغينة عليه بصمت، إلى أنْ أصبحت بينهما قطيعة في الكِبر، ثم استرسلت بحزن: حينما عاتبتُه: لماذا تنفر من أخيكَ الكبير، أجابني من دون تردّد: (يكفي أنّكِ تحبّينه)، عبارته هذه أعادت إلى ذاكرتي أحداث الماضي، حينما كنتُ أميّز أخاه عنه في كلّ شيء، ولم أدرك بأنّني قد قطعتُ حبل الوصل بينهما من دون قصد. من جانب آخر حدّثتنا إسراء جميل/ ربّة بيت: لم أستطع تغيير أسلوب زوجي في التعامل مع أولادنا على الرغم من محاولاتي العديدة، إذ كان يميّز بين الفتاة والصبي، وقد رُزقنا بثلاثة صبيان وفتاتين، لكنّه لم يكن يهتمّ سوى بالصبيان، حتى في مجال التعليم لم يكن يمنح البنتين فرصة إعادة العام الدراسي إنْ أخفقت إحداهما في النجاح، إذ كانت الأولوية دائمًا للصبيان في كلّ شيء، هذا التمييز خلّف آثارًا سلبية في نفس الفتاتين وأدّى إلى التباعد الاجتماعي بين الأشقّاء بسبب الغيرة والتمييز، وعندما كبر أولادنا وتزوّجوا وأنجبوا تحوّل حبّ زوجي إلى أحفاده من أولادنا الذكور أيضًا، وطال الأحفاد التمييز ذاته، ممّا جعل الأحفاد يعيشون الصراع نفسه أيضًا. كانت لنا وقفة مع الاستشارية النفسية نور مكّي الحسناوي التي قالت: تؤكّد دراسات علم النفس الأسري(1) أنّ الغيرة بين الإخوة تبدأ غالبًا مع المقارنة أو تفضيل أحد الأبناء، سواء كان التفضيل حقيقيًا أم خياليًا، فالطفل بطبيعته يسعى إلى جلب الاهتمام، وإلى الشعور بالانتماء، وعندما يشعر أنّ هذا الاهتمام مهدّد، يتحوّل الشعور بالغيرة إلى سلوكيات عدوانية، كالعناد أو الانسحاب، فلأحداث الطفولة تأثير سلبي في نفس الطفل، فقد تتمثّل الغيرة على شكل شجار عابر أو تنافس على لعبة ما، لكنّ المشكلة تتفاقم عندما تستمرّ المقارنات بين الأبناء ويُمنح أحدهم امتيازات خاصّة، أو يُحمّل أحد الأبناء مسؤولية تفوق مسؤولية الآخر، ولا يُحتوى الطفل عاطفيًا أو لا يحظى بالاهتمام أو الاستماع إلى مشكلاته ومشاعره، ومع مرور الوقت تتراكم مشكلاته غير المعالجة، فتتحوّل إلى خصومة طويلة الأمد، وقد تستمرّ حتى بعد وفاة الوالدين، وتظهر في النزاعات المالية أو انقطاع الصِلات؛ لذلك ذكرت دراسة لعلماء الاجتماع(2) أنّ صراع الإخوة لا يبدأ في الكبر، بل هو امتداد لغيرة في مرحلة الطفولة لم تجد مَن يفهمها أو يوجّهها، مثلما يمكن أنْ تنعكس هذه التراكمات على الروابط العائلية في مختلف المناسبات، وتنتقل أنماط الصراع إلى الجيل الجديد. وأوضحت الحسناوي: أمّا علاج الغيرة التي نشأت من التمييز منذ السنوات الأولى لعمر الطفل، فيكون عَبر تجنّب المقارنات المباشرة، وتوزيع الاهتمام والحبّ على الأبناء بالعدالة، مع وعي المربّين واعترافهم بمشاعر الطفل من دون إنكارها، فضلًا عن تعزيز التعاون بين الأشقّاء بدلًا من التنافس، وغرس المفاهيم والقيم الحقيقية في نفوس الأطفال، من قبيل أنّ اختلاف الإمكانات والمواهب لا يعني التفاوت في المحبّة، إضافةً إلى ضرورة منح كلّ طفل مساحة خاصّة به تبرز تميّزه الفردي ليقلّل ذلك من شعوره بالمنافسة الدائمة؛ لأنّ الغيرة ليست عيبًا ولا جريمة، بل هي شعور طبيعي يمكن تحويله إلى دافع إيجابي إذا وُجّه بحكمة، فالأسرة الواعية لا تسعى إلى منع الغيرة تمامًا بين أبنائها، بل تحاول فهمها وإدارتها حتى لا تسبّب شرخًا يصعب ردمه. تبقى الأخوّة رابطًا مقدّسًا متينًا، يشدّ الأشقّاء عضد بعضهم مدى الحياة، لكن هذا البنيان المتين والسند لا يُبنى من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى الوعي الكافي بأسس التربية الإسلامية المفعمة بالعدل والحبّ والعطف والحنان لتؤتي شجرة الأسرة ثمارها السليمة السويّة. .......... (1) علم نفس النمو: الطفولة والمراهقة: ص382. (2) مشكلات الطفولة والمراهقة: ص174.