أيقونة الكمال

رجاء محمد بيطار/ لبنان
عدد المشاهدات : 10

نقف على ناصية التاريخ، ونواجه معالم الماضي لنقارنها بما يحمله لنا الحاضر والمستقبل من ظروف وصروف. ترتسم أمامنا ملامح المرأة في هذا العصر ما بين انخداعٍ ببهارج الثقافات الغريبة، وضياع في خضمّ النماذج البعيدة والقريبة، وأسئلة تستفزّ العقل والقلب والوجدان عن المرأة القدوة التي يصلح بها شأن المرأة الإنسان، وفجأةً تسطع شمسٌ تبزّ الشموس بضيائها، وينشقّ رحم الحياة عن امرأة لا كالنساء، خلقها الباري تعالى وامتحنها من قبل أنْ يخلقها، فكانت لما امتُحنت به صابرة، فاستحقّت أنْ تحمل لواء العصمة والطهارة، وأنْ يكون لها بين نساء الأولين والآخرين مقام الصدارة، فهي سيّدة نساء العالمين عن جدارة. سيّدة وُلدت في بيت النبوّة ورضعت لبن التقوى، وتربّت في حجر خاتم الأنبياء (صلوات الله عليه)، ثم اقترنت بسيّد الأوصياء (عليه السلام)، وجعل الله رحمها الطاهر المطهّر وعاءً لسلالة الأصفياء، فهي أكمل الكاملات وجوهرة تاج الصدّيقات، تخفق القلوب بمحبّتها وتُطأطئ الرؤوس لعظمتها وتحار العقول في كمال شخصيتها، وتدمع العيون لجلال مصيبتها! بلى.. وإنّه لجدير بمَن بلغت في الجلال والكمال درجة سمّاها معها سيّد الخلق والمرسلين (أمّ أبيها)، وقال فيها حفيدها الإمام الحسن العسكري (عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام): "نحن حُجج الله على خَلقه وأمّنا فاطمة حجّة الله علينا"(1)، أنْ تكون هي الأجلّ والأكمل في كلّ خطوةٍ خطتها على درب الحياة المليئة بالأشواك والعقبات، وأنْ تكون هي المعلّمة الأولى والأخيرة لكلّ امرأة تسعى للتكامل، وتبحث عن القدوة الصالحة التي لا تخيب مَن سارت على نهجها أبدًا، وتضمن لنفسها سعادة الدارين، فلا تضلّ ولا تشقى، ولا تتعثّر ولا تسقط في هاوية الشقاء الأبدي مثلما تفعل نساء الدنيا المفتونات بهذا العالم الزاخر بالمتشابهات.. على أنّ الأكثر ألمًا أنّنا نتعلّم من الزهراء (عليها السلام) في وفاتها مثلما نتعلّم منها في حياتها، بل إنّ ما نتعلّمه على يديها الحانيتين في الحقبة الأخيرة من حياتها يرفع من مستوى وعينا لحقيقة الحياة وهدفها، وهو حتمًا يتكامل مع كلّ لحظةٍ عاشتها الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام)، وقدّمت لنا عَبرها دروسًا وعِبرًا وآياتٍ بيّنات، وكيف لا تفعل وهي كصنوها وبعلها إمام المتّقين، قرآن ناطق ينطق بالحكمة والعدل والكمال والعزّة؛ ليخاطب الإنسانية جمعاء؟! إنّ ما جرى على الزهراء (عليها السلام) في ختام حياتها القصيرة المديدة عظمةً وارتقاءً، يكفي ليملأ قلوب كلّ نساء العالم ورجاله وعيًا وحكمةً ونقاءً، ولئن كان لنا مع تلك المرحلة الدقيقة من حياتها وحياة الأمة وقفة ونظرة عميقة يتّصل بها الماضي بالحاضر، فإنّنا بذلك نقطف من ثمار طوباها ما يكفي ليشبع جوع كلّ البشر المتطلّعين إلى المثال الأعلى في الحياة.. لقد ودّعت سيّدة النساء أباها سيّد المرسلين، واستشعرت في أعماقها غصّة المظلومية التي راح ضحيّتها، وقد علمت أنّ تلك المظلومية هي حلقة متّصلة بها وبزوجها وبأولادها، وبكلّ مَن والاها ووالاهم، بل هي ضريبة حبّهم والتعلّق بحبلهم والتمسّك بعروتهم الوثقى والثبات على نهجهم وصراطهم. ودّعته وفي القلب غصّتان: مظلومية النبوة حين يقابل المنافقون إحسان النبي (صلّى الله عليه وآله) وتضحياته بالإساءة والنكران، ومظلومية الإنسان لنفسه، إذ أودع الله تعالى في أرضه النبيّ ثم الوصيّ تلو الوصيّ، لكنّ القوم ظلموا أنفسهم وظلموا البشرية جمعاء، إذ حرموها من جمال حكم الله تعالى في أرضه، واستبدلوا الخير والتقى والخيار الإلهي بالخيار البشري العقيم الذي يطفح بالأنانية والطمع والعودة إلى الجاهلية النكراء. رأت الزهراء (عليها السلام) كلّ ذلك بعين البصر تارة وبعين البصيرة أخرى، رأت القوم يجتمعون في سقيفتهم، فيكون الباطل هو تمام عدّتهم؛ لأنّهم لو اجتمعوا على الحقّ لما تجاوزوا الفاروق بين الحقّ والباطل، ولسَعوا إليه سعيًا حثيثًا؛ لكنّهم بعد اجتماعهم على غصب خلافته ونكران ولايته، أقبلوا إليه يريدون أنْ يطفئوا نور الله بأفواههم وأيديهم، لكنّ الله سبحانه أبى لهم ذلك، وأتمّ نوره رغمًا عنهم، ولئن استأثروا بالحكم دونه فقد استأثر دونهم بميزان الحقّ والباطل، وبقي صوت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الذي أرادوا له أنْ يخبو يدوّي في ضمائرهم ووجدان التاريخ: "لولا أنتَ يا عليّ لم يُعرف المؤمنون بعدي"(2)، و"لا يحبّكَ إلّا مؤمن ولا يبغضكَ إلّا منافق"(3)، ثم رأتهم يقبلون نحو دارها فيقرعونها بقسوة قلوبهم، ومِسك النبوة لم يزل عابقًا بعضدي بابها، وصوت أبيها لم يفتأ يرنّ في مسامع الكون: )إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ((الأحزاب:33)، ثم رأت بأمّ عينيها الحطب يتكوّم عند بابها وتُضرم فيه النار، ويهدّدون ويتوعّدون، وقد وضعوا نصب أعينهم أنْ يستأثروا بالحكم دون أصحابه، وأنْ يجعلوا الخلافة انتخابًا، ثم شورى، ثم ملكًا عضوضًا كملك قيصر وكسرى، وقد أرادها الله تعالى لأهل البيت (عليهم السلام) ربّانية إلهية تكتمل بها أركان الدين وتستتمّ فروضه، فأبوا ما أراده سبحانه، وحاق بهم وبمَن خلفهم الخسران المبين.. رأت وأبصرت بعينها وقلبها كلّ هذا وأكثر، فاستترت خلف بابها تتّقي كيدهم، فزادوها لطمةً، وعصرةً، وكسرةً، وأسقطوا من كبدها فلذّة أخرى، وقد أضمروا أنْ يسقطوا غيرها حينما يعيدون الكرّة.. لم تهن الزهراء (عليها السلام) ولم تنكل لما رأت وأصابها، ونهضت من خلف بابها وهي تنفض عن المهجة ترابها، وخرجت إلى مسجد أبيها بعدما كانت جليسة محرابها، رفعت الصوت وأرهفت سمع الحياة والموت، وقالت كلمتها وألقت حجّتها، ودافعت عن حقّها وحقّ أحبّتها، وخرجت من المجلس وقد علمت أنّ ما قالته يلين الحديد ويفتّت الحجارة، ويرفع عن العيون حجب الضلالة لو أراد القوم، لكنّ ﴿اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11)؛ لذلك النتيجة لم تتغيّر، لكنّ الزمان كان يسجّل للغد، ويقدّم الحجّة والبرهان على حقيقة الإيمان لمَن يأتي من بعد.. وعادت سيّدة النساء إلى بيت الإمامة لتتابع ما انقطع من صلاتها وصيامها وقيامها، بعدما قامت بدورها في نصرة إمامها، وظلّت تقوم به حتى اللحظة الأخيرة من حياتها، بسلوكها وأعمالها وكلامها، عادت وهي تشاطر إمام الأمة هم الأمة، وتحمل معه ميراث النبوة لتودعها أمانة في عنقي ولديها أبوي الأئمة.. عادت لتعيش ثمالة حياتها الزاخرة بكلّ معاني التضحيات، ولتقدّم بين يدي الباري (عزّ وجلّ) قربانها، فإذا هي أيقونة الكمال، قربانها الخالد لم يفتأ يتجدّد مع كلّ شروق وغروب، ومع كلّ فداء تقدّمه النساء اللواتي اتّخذن من فاطمة الزهراء (عليها السلام) نبراس ثناء، قد سرنَ على هداها واستلهمنَ من عطائها، وحريّ بمَن افتتحت بدمائها الطاهرة ودماء أولادها الأولياء عهد الشهادة، أنْ تعطي الحياة معنى العطاء. .......... (1) الأسرار الفاطمية: ص53. (2) الإمام علي (عليه السلام) قدوة الصدّيقين: ص39. (3) الإرشاد للشيخ المفيد: ص36.