الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وتفنيد مزاعم تناقضات القرآن الكريم
مثلما يُولد نور العلم ليبدّد ظلام الجهل، ويزيد الحكيم حكمة وبصيرة، وُلد تاج النور الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وميلاده مهّد لميلاد ابنه الإمام الحجّة المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)، سلسلة ربّانية أكرمها الله تعالى وفضّلها على جميع الخلائق. تصدّى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) للانحرافات الفكرية ولكلّ مَن أغواه الشيطان فتوهّم أنّ بمقدوره تحدّي الخالق-العياذ بالله- فسقط في هاوية الكبر، وانقلب ذليلًا مخزيًا في الدنيا والآخرة، فكم أهلك الغرور طغاةً وعتاةً، وطوى التاريخ ذكرهم في ظلمات النسيان كنمرود، وقارون، وفرعون، وفي كلّ عصر هناك مَن يتكبّر ويتجبّر على الباري (عزّ وجلّ) متناسيًا أنّ ما ناله من علم أو خير فهو من فضله سبحانه، منهم (إسحاق الكندي) فيلسوف بغداد، الذي اعتزل في صومعة وتوهّم بعقله المحدود أنّه قادر على تأليف كتاب يجمع فيه ما أسماه (تناقضات القرآن)، ظانًّا أنّ عقله المحدود قد أحاط بأسرار الوحي الإلهيّ ومعانيه، فلمّا بلغ خبره الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، أرشد أحد تلامذة الكندي إلى أنْ يسأله بلطف: "هل يمكن أنْ يكون للآيات معنىً غير الذي فهمتَه أنتَ"؟(1)، فتوقّف الكندي عند هذا السؤال مليًا، وأدرك أنّ فهم الإنسان محدود، وأنّ كلام الله تعالى قد يحمل من المعاني ما تعجز العقول عن الإحاطة به، ولمّا ألحّ على تلميذه في معرفة مصدر هذا السؤال، وأخبره التلميذ بأنّه من الإمام العسكري (عليه السلام)، قال الكندي: ما كان ليخرج مثل هذا إلّا من ذلك البيت، ثم دعا بالنار وألقى فيها كلّ ما كتبه؛ لتتحوّل ظنونه بكتاب الله إلى رماد(2). هذه إحدى المواقف التي تصدّى فيها الإمام العسكري (عليه السلام) للحفاظ على دين الله تعالى، ومنع انتشار الأفكار الضالّة، وعلى الرغم من أنّه (عليه السلام) عاش في ظلّ رقابة شديدة من قِبل العبّاسيين الذين كانوا يترقّبون ولادة الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه)؛ لما ورد في الروايات من أنّه سيقود مشروع العدل الإلهيّ ويقوّض حكم الظالمين، إلّا أنّه (عليه السلام) مهّد للغَيبة في الفكر الإسلاميّ الشيعي، ومن فصول التمهيد تقليل التواصل المباشر مع الشيعة ليعتادوا فكرة الغَيبة. وعمل الإمام العسكري (عليه السلام) على إخفاء أمر ولادة بقيّة الله، فلم يطلع على ولادته إلّا خواصّ أصحابه وثقاته، وقد أمر بعضهم بالعقيقة عنه، إذ لم يكن قادرًا على إظهار ذلك خشية الوشاية به لدى العبّاسيين، وقوّى (عليه السلام) نظام الوكلاء ليتوزّعوا على الحواضر الإسلامية، فشملت كلًّا من (نيشابور) شرقًا إلى (مصر) غربًا؛ لتتولّى نقل الحقوق الشرعية، والفتاوى والمسائل الشرعية إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، ومن بعده إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؛ لتستعدّ الأمة لعهد الغَيبة الكبرى روحيًا وفكريًا. ........... (1) بحار الأنوار: ج50، ص311. (2) المصدر نفسه.