رياض الزهراء العدد 235 ألم الجراح
في قلب الحصار
زبيدة طارق الكناني/ كربلاء المقدّسة في سامرّاء لا يبدو التاريخ حكايةً تُروى، بل جرحًا مضيئًا.. هناك حيثُ الأزقّة القديمة تحفظ وقع خُطى الأئمة (عليهم السلام).. فعندما أشرق الكون والمدينة المنوّرة بولادة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) استأنف العالم مسيرته النورانية؛ ليمتدّ شعاع الهداية إلى أبعد من حدود المكان، فقد شاءت الأقدار أنّ تحتضن سامرّاء سنوات من حياة الإمام العسكري (عليه السلام) القدسي.. لم تكن يومها سامرّاء مدينة عاديّة، كانت عينًا للسلطة، وسورًا من الخوف، لكن عجزت القوى الشيطانية أنْ تمنع السكينة والطمأنينة أنْ تخيّم على الأرجاء.. ومنذ الميلاد المبارك صار لطيبة وجهٌ آخر، وجهٌ يشبه الدعاء عند السحر، يشبه قلبَ أمٍّ تنتظر فرجًا طال انتظاره.. كلّ شيءٍ في سامرّاء يوحي بأنّ الحقّ لا يموت: القباب، رائحة التراب بعد المطر، خطوات الزائرين، الدموع التي تُخفى خجلًا عند باب الحرم.. لهذا تبقى سامرّاء تنطق باسم أهل البيت (عليهم السلام) قبل أنْ ينطق الناس.. فصار الليل فيها أكثر خشوعًا، وصار للصمت حول قبّة الإمام العسكري (عليه السلام) معنى لا يشبه أيّ صمت.. سامرّاء التي أرادها الظالمون موضعَ مراقبة للأئمة (عليهم السلام)، تحوّلت بإقامة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فيها إلى شاهدٍ على أنّ النور لا يمكن أنْ يُحاصَر.. فكلّ الجدران التي أُقيمت خوفًا من أهل البيت (عليهم السلام)، صارت اليوم طرقًا يسلكها الموالون نحوهم.. وفي كلّ ربيعٍ ثانٍ، تشعر الأرواح أنّ المدينة تستعيد أوّل فرحتها، كأنّ المآذن تهمس باسم الإمام العسكري (عليه السلام)، كأنّ الريح التي تمرُّ على الحرم تحمل شيئًا من هيبة ذلك الميلاد المبارك.. ما أعجب سامرّاء.. مدينةٌ أُريد لها أن تكون سجنًا، فأصبحت مزارًا للقلوب.. وأُريد لأيامها أنْ تُطفئ نور الإمام، فإذا بها تحفظ اسمه حيًّا في وجدان المحبّين إلى آخر العمر..