من الرؤيا إلى راية الشهادة

خديجة الكبرى رحيم السعيديّ/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 9

في صحراء قاحلة ضُربت خيمة متواضعة تنتظر أنْ يمرّ بها وعد إلهي كُتب لها في الغَيب، كانت سيّدة هذه الخيمة امرأة كبيرة في السنّ، تجلس على أمل عودة ابنها الذي خرج يبحث عن الماء لها ولزوجته، وفي تلك اللحظات مرّت بالقرب من خيمتها قافلة الإمام الحسين (عليه السلام)، ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فوقف الإمام (عليه السلام) عند الخيمة، وسلّم على أهلها، ثم دار حديث قصير كشف عن حال تلك المرأة وانتظارها لابنها، وقبل أنْ يواصل الإمام الحسين (عليه السلام) مسيره، نطق بكلمات قليلة حملت سرًّا كبيرًا، إذ قال (عليه السلام): "صدقت الرؤيا"(1)، وبمجرّد أنْ ترك الإمام (عليه السلام) مكانه الذي كان يقف فيه، وإذا بعين ماء قد انبجست من تحت قدميه الشريفتين، تركها الإمام (عليه السلام)، ثم مضى إلى الطريق الذي اختاره الله تعالى له، وبعدما اجتمعت الأمّ بابنها البارّ فأخبرته بما حدث، فقصّ عليها المنام وماذا عنى سيّد شباب أهل الجنّة (عليه السلام) بكلماته، إذ رأى في منامه الليلة الماضية روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام)، وأنصاره يدعونّه إلى نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)(2)، ثم سرعان ما التحق بقافلة الحقّ، وبعد اللحاق تشرّف بالإسلام على يد سيّد الشهداء (عليه السلام) بعد أنْ كان نصرانيًا، فأعلن إسلامه؛ ليُولد من جديد نصيرًا للحسين (عليه السلام). إنّه (وهب بن عبد الله الكلبي)، الذي واصل طريق النصرة إلى يوم عاشوراء، يوم الامتحان الأكبر، فكان من أوائل أنصار الإمام الحسين (عليه السلام) الذين دخلوا ساحة القتال ببسالة نادرة، حتى واجه جيش العدو، وفي أتون المعركة كانت أمّه تحثّه على الثبات، وتخاطبه بقلب المؤمنة الصابرة: (قاتل دون الطيّبين ذرّية محمّد يا بنيّ، ثبّت قدميكَ ونافح القوم وجاهدهم)(2)، أمّا زوجته العروس فقد خرجت من الخيمة بعد أنْ سمعت واعية الإمام الحسين (عليه السلام) وهي تناديه بحرقة وإيمان: (قاتل دون الطيّبين ذرّية محمّد)؛ لكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) أمرها أنْ تعود إلى الخيمة رحمةً بها وصونًا لها، وواصل (وهب) قتاله حتى ارتقى شهيدًا بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام)، غير أنّ القوم لم يكتفوا بقتله، بل عمدوا إلى قطع رأسه ورميه نحو معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، فحملت أمّه رأسه وقبّلته، ثم أخذت عمود الخيمة وذهبت تقاتل، لكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) منعها وأرجعها إلى الخيمة قائلًا: "جُزيتِ خيرًا، ارجعي إلى النساء، رحمكِ الله، فقد وضع الله الجهاد عن النساء"(3)، وهكذا خُتمت على الأرض قصّة (وهب)، الفتى الذي وهب روحه لسيّده من دون تردّد؛ لتبدأ في السماء قصّة الخلود، فلم ينتظر (وهب) أنْ يسمع نداء: "هل من ناصر ينصرنا"(4)، بل سبق النداء بروحه وولائه، فكان مثال النصير الصادق الذي بادر إلى نصرة الحقّ قبل الاستنصار، فالسلام على وهب يوم وُلد، ويوم نصر إمامه الحسين (عليه السلام) بصدق، ويوم استُشهد بين يديه، ويوم يُبعث حيًّا. ............ (1) اللهوف على قتلى الطفوف: ص161. (2) المصدر نفسه. (3) بحار الأنوار: ج45، ص17. (4) المصدر نفسه.