تحت ظلال الكساء
في تلك الليلة الهادئة كان النور الخافت ينبعث من غرفة (زينة) التي جلست في مصلّاها تحمل كتاب الأدعية وتقرأ بخشوع وبنبرة يملؤها الشجن، كانت تقرأ الأسطر الأخيرة من حديث الكساء المبارك، مسترسلةً مع الكلمات التي تصف اجتماع أهل البيت (عليهم السلام) تحت ذلك الرداء الطاهر، ومستشعرةً عظمة تلك اللحظات التاريخية الدافئة. مرّت أمّها بجانب غرفتها، فاستوقفتها النبرة العذبة، ووقفت لبرهة تستمع إلى ابنتها بابتسامة حانية، فانتظرت الأمّ حتى أغلقت (زينة) الكتاب وقبّلته بوقار، ثم دخلت عليها وجلست أمامها، وقالت: - تقبّل الله منكِ يا حبيبتي، أراكِ تدمنين قراءة حديث الكساء في الآونة الأخيرة، فما الذي استفدتِ منه وتعلّمتِهِ من هذه القراءة المتكرّرة لتطبّقيه في حياتكِ؟ نظرت (زينة) إلى أمّها بملامح حائرة وشعرت بالخجل، فهي تقرأ الحديث حبًّا وتبرّكًا، ولم تفكّر عميقًا في أبعاده السلوكية، فطأطأت رأسها قليلًا وقالت بنبرة خافتة: - في الحقيقة يا أمّي، أنا أقرؤه لأشعر بالبركة والراحة النفسية، لأنّني أحبّ مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لكنّني لا أعرف كيف أشرح لكِ فائدة عملية محدّدة استخلصتها منه لواقعنا؟ دنت الأمّ من ابنتها، وجلست بجانبها على السجّادة، ومسّدت شعرها بحنان قائلةً: - يا زينة، حديث الكساء ليس مجرّد قصّة نقرؤها للثواب فقط، بل هو أعظم مدرسة لتعليم أدب الحوار ولغة الاحترام داخل الأسرة، السلاح الأقوى الذي نحتاجه اليوم لإصلاح مجتمعاتنا، تأمّلي معي: عندما دخل الإمام الحسن (عليه السلام) وقال لأمّه: "السلام عليكِ يا أمّاه"(1)، لم تجبه (عليها السلام) بعبارات عادية، بل تفيض عليه من حنانها وتقول: "وعليكَ السلام يا قرّة عيني وثمرة فؤادي"(2)، وكذلك فعلت مع الحسين (عليه السلام). هزّت (زينة) رأسها منبهرة، فأكملت الأمّ وعيناها تلمعان: - حتى عندما يطلب الأبناء الدخول تحت الكساء، لا يدخلون عنوة، بل يستأذنون بجلال وأدب: "أتأذن لي أنْ أدخل معكَ"؟(3)، فيجيبهم جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأرقى الألقاب ترحيبًا وتكريمًا، فهذا الحوار الإلهي يعلّمنا كيف يجب أنْ نتحدّث في البيت، يعلّمنا أنّ الكلمة الطيّبة والاحترام المتبادل هما الكساء الحقيقي الذي يحمي العائلة من الجفاء وضغوط الحياة الخارجية، فلا شيء أقوى من أدب الحوار. ترقرقت الدموع في عيني (زينة)، وضمّت كتاب الدعاء إلى صدرها، ونظرت إلى أمّها بيقين وقالت: الآن عرفتُ يا أمّي أنّني أقرأ دستورًا عظيمًا لصناعة الحبّ والسكينة في بيتنا. .......... (1) عوالم العلوم: ج2، ص932. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه.