رياض الزهراء العدد 235 تاج الأصحاء
لماذا نعرف الفضيلة ثم لا نمارسها؟
ليست أزمة الإنسان الكبرى أنّه لا يعرف، بل إنّه كثيرًا ما يعرف ولكنّه لا يبادر أو يتحرّك للتغيير، وهذه الحقيقة تبدو بسيطة، لكنّها في الواقع تقلب فهمنا للنفس والتربية رأسًا على عقب، فنحن نتصوّر غالبًا أنّ المشكلة في نقص المعلومات، فنكثر الشرح والنصح والتوجيه، بينما يكمن الجذر الأعمق في مكان آخر: في المسافة بين ما يراه الإنسان حقًّا، وما يملك الإرادة ليعيشه فعلًا. القرآن الكريم لا يقدّم الإنسان بوصفه كائنًا فارغًا يُصنع من الخارج، بل بوصفه كائنًا يحمل في داخله استعدادًا أصيلًا لقيم الخير والفضيلة، إذ يقول عزّ من قائل: ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا( (الروم:30)، فالفطرة هنا ليست معلومات جاهزة، ويمكن أنْ نبسّط مفهومها بأنّها حسّاسية داخلية تجعل الإنسان يشعر ولو في أعماقه أنّ الصدق أنقى من الكذب، والرحمة أسمى من القسوة، والعدل أقرب إلى روحه من الظلم، ولهذا السبب حتى الإنسان الذي يبرّر أخطاءه يحاول غالبًا أنْ يمنحها غطاءً أخلاقيًا، فهو يدرك بفطرته قبح الزلل، فيسعى إلى ستره بثوب من الفضيلة والمشروعية، وقد جاء في الحديث الشريف: "مَن كساه الحياء ثوبه لم يرَ الناس عيبه"(1)، فإنّ النفس تلجأ أحيانًا لادّعاء غطاء أخلاقي يستر عيوبها(٢)، لكنّ امتلاك البوصلة لا يمنح الفرد دائمًا القدرة على السير، إلّا في حالة واحدة أشار إليها القرآن الكريم: )بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ( (القيامة:14-15) أي في حالة امتلاك بصيرة ومراقبة من نفسه على نفسه، والخروج التام من دائرة الوهم والتبرير إلى حالة الصدق التام مع النفس، فكم من إنسان يعرف أنّ بعض العادات تُدمّره لكنّه يستمرّ فيها، وكم من أب أو أمّ يعرفان أنّ الصراخ يؤذي أبناءهم، ثم يعودان إليه عند الغضب، وكم من شخص يرى الطريق بوضوح، لكنّه يشعر بثقل داخلي يمنعه من الخطوة الأولى، وهنا تظهر الإرادة بوصفها القضية المركزية في بناء الإنسان، فالإرادة التي لا تُولد من الأوامر المستمرّة، ولا من التخويف وحده، بل من شعور الإنسان بأنّ لحركته قيمة ومعنى ودافعًا ذاتيًا، فالنفس حين تفقد هذا البُعد الوجودي تصبح خاملة، حتى لو كانت تعرف الصواب(2)، ولذلك نجد كثيرًا من الانهيارات النفسية المعاصرة ليست فقدانًا للعقل بقدر ما هي فقدان الاتجاه والمسار الصحيحين؛ لهذا نجد أنّ المربّي الحقيقي لا يكتفي بأنْ يعلّم الإنسان ماذا يفعل، بل يستند إلى تلك البذرة الأخلاقية الفطرية التي تثبت الدراسات التجريبية وجودها حتى لدى الرُضّع قبل مرحلة النطق، ليطوّر لديه الإحساس بقيمة الفعل ولماذا يستحقّ أنْ يُعاش(3)، وحين يلتقي وضوح الفطرة مع قوة المعنى، تتحوّل المعرفة من فكرة في الذهن إلى حركة في الحياة، ولهذا ربّما لا يكون السؤال الأهمّ: هل نعرف الطريق، بل: هل نمتلك سببًا عميقًا يجعلنا نريد السَير فيه؟ ........ (1) شرح نهج البلاغة: ج1، ص487. (2) Intrinsic Motivation and Self-Determination in Human Behavior: pp. 32–33. (3) Social Evaluation by Preverbal Infants": pp. 557–559.