الإبداع يبدأ منْ هنا: شراكة الأسرة والمدرسة في صناعة العقول المتميزة

زينب شاكر السماك/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 7

إنّ التطوّر العالمي في كافة المجالات يفرض على المؤسّسات التعليمية والأسر مسؤولية إعداد جيل يمتلك القدرة على التكيّف مع هذه المتغيّرات والتعامل معها بوعي وكفاءة، مثلما أنّ النجاح الدراسي لم يعدْ يُقاس بكمّية المعلومات التي يحفظها الطالب، بل بقدرته على التفكير والتحليل والاستنتاج والابتكار، وتحويل المعرفة إلى أدوات عملية تساعده في مواجهة تحدّيات الحياة، وفي ظلّ هذا الواقع، أصبحت تنمية الإبداع والتفكير الناقد من أهمّ الأهداف التربوية التي يجب أنْ تسعى إليها الأنظمة التعليمية الحديثة؛ لما لهما من دور أساسي في بناء شخصية متوازنة قادرة على اتّخاذ القرارات الصحيحة، وحلّ المشكلات بطرق مبتكرة، والإسهام الفاعل في خدمة المجتمع وتطويره. ويُقصد بالإبداع قدرة الطالب على إنتاج أفكار جديدة أو إيجاد حلول غير تقليدية للمشكلات التي تواجهه، مثلًا حين يُطلب من مجموعة من الطلبة إعداد مشروع بشأن ترشيد استهلاك المياه، يكتفي بعضهم بجمع المعلومات من المصادر المختلفة، بينما يبادر طالب آخر إلى تصميم أنموذج عملي أو إعداد عرض تفاعلي يوضّح المشكلة والحلول بطريقة مبتكرة وجذّابة، هنا تتجلّى روح الإبداع في البحث عن الجديد والخروج عن الأساليب المألوفة. أمّا التفكير الناقد، فهو قدرة الطالب على تحليل المعلومات ومناقشتها وعدم قبولها بصورة تلقائية؛ لأنّ الطالب الذي يمتلك هذه المهارة لا يصدّق كلّ ما يقرؤه أو يسمعه، بل يبحث عن مصدر المعلومة، ويتحقّق من صحّتها، ويقارن بين الآراء المختلفة قبل أنْ يتبنّى موقفًا أو يقدّم رأيه، وتزداد أهمّية هذه المهارة في عصر باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي مصدرًا هائلًا للمعلومات، إذ تختلط الحقائق بالشائعات والمعلومات المضلّلة. ويؤدّي المعلّم دورًا محوريًا في تنمية هذه المهارات داخل الصفّ الدراسي، فبدلًا من الاعتماد الكامل على أسلوب التلقين، يمكنه تشجيع الطلبة على التفكير عن طريق طرح الأسئلة المفتوحة التي تتطلّب التحليل والاستنتاج، من قبيل: كيف يمكن حلّ هذه المشكلة بطريقة مختلفة؟ وما النتائج المتوقّعة إذا تغيّر أحد عناصر التجربة؟ مثلما أنّ اعتماد أسلوب الحوار والمناقشة والعمل الجماعي يمنح الطلبة فرصة للتعبير عن آرائهم والاستفادة من أفكار زملائهم. ومن الأساليب الناجحة هي تكليف الطلبة بمشاريع واقعية مرتبطة ببيئتهم ومجتمعهم، كدراسة مشكلة بيئية أو صحّية أو اجتماعية، واقتراح حلول عملية لها؛ لأنّ هذه الأنشطة تنمّي لديهم مهارات البحث وجمع المعلومات وتحليلها، وتدفعهم إلى التفكير بطريقة إبداعية وناقدة في الوقت نفسه. أمّا المدرسة فهي البيئة الحاضنة التي يمكن أنْ تزدهر فيها هذه القدرات، ومن المهمّ أنْ توفّر مناخًا تعليميًا يشجّع على المبادرة والتجريب، ويمنح الطلبة مساحة للتعبير عن أفكارهم من دون الخوف من الخطأ، ويمكن للمدرسة أنْ تدعم ذلك عن طريق إقامة المعارض العلمية والفنّية، وتنظيم المسابقات الثقافية والبحثية، وتشجيع المبادرات الطلّابية، وتفعيل الأنشطة اللاصفّية التي تكشف عن مواهب الطلبة وتنمّي قدراتهم، إضافةً إلى أنّ إدخال التكنولوجيا بصورة هادفة في العملية التعليمية يسهم في تطوير مهارات التفكير عن طريق استخدام التطبيقات التعليمية والمنصّات الرقمية التي تشجّع على البحث والاستقصاء والتعلّم الذاتي، فالطالب الذي يتعلّم كيف يبحث عن المعلومة ويحلّلها، سيكون أكثر قدرة على التعلّم المستمرّ طوال حياته. ولا يقلّ دور الأسرة أهمّية عن دور المدرسة لكونها البيئة الأولى التي تتشكّل فيها شخصية الطفل وتتبلور اهتماماته، ويمكن للوالدين تنمية الإبداع والتفكير الناقد عن طريق الحوار المستمرّ مع الأبناء، والاستماع إلى آرائهم، واحترام وجهات نظرهم، وتشجيعهم على طرح الأسئلة والتعبير عن أفكارهم بحرّية، ومن المقترحات العملية التي يمكن للأسرة تطبيقها هو تخصيص وقت يومي للنقاش العائلي بشأن موضوع معيّن، أو تشجيع الأبناء على القراءة ومناقشة ما يقرؤونه، أو إشراكهم في اتّخاذ بعض القرارات الأسرية المناسبة لأعمارهم، مثلما أنّ تحفيزهم على ممارسة الهوايات المختلفة كالرسم والكتابة والبرمجة والأنشطة العلمية، يساعد على تنمية خيالهم وقدراتهم الإبداعية، ومن المهمّ أيضًا الابتعاد عن أسلوب المقارنة بين الأبناء أو التركيز المفرط على الدرجات الدراسية؛ لأنّه يحدّ من ثقتهم بأنفسهم ويضعف روح المبادرة لديهم، فكلّ طفل يمتلك موهبة أو قدرة خاصّة تحتاج إلى مَن يكتشفها ويرعاها، ويوجّهها بالشكل الصحيح. إنّ بناء جيل مبدع يمتلك عقلًا ناقدًا لا يتحقّق بالصدفة، بل هو ثمرة جهود متكاملة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، وعندما نوفّر لأبنائنا بيئة تشجّع على التفكير والبحث والتجريب، فإنّنا لا نصنع طلبة متفوّقين فحسب، بل نصنع قادة ومبدعين ومفكّرين قادرين على صناعة مستقبل أفضل لأنفسهم ولمجتمعهم، فالأمم المتقدّمة لم تصل إلى ما هي عليه بالحفظ والتلقين، بل بالعقول التي تسأل، وتفكّر، وتبتكر، وتسعى دائمًا إلى تطوير الواقع نحو الأفضل.