فن تأطير اللوحات: تحويل الإطار إلى قصيدة بصرية

بيداء حسن العوادي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 9

بيداء حسن العوادي/ كربلاء المقدّسة يُعدّ تأطير اللوحات في الفنّ الإسلامي عملية تتجاوز المفهوم التقليدي للحماية؛ ليصبح جزءًا لا يتجزّأ من فلسفة الجمال التكميلي، ففي الفنون الإسلامية لا تنتهي اللوحة عند حدود الورقة أو القماش، بل يمتدّ الجانب الإبداعي ليشمل الإطار الذي يحتضنها، محوّلًا إياها إلى فضاء روحي وهندسي يعزّز من قيمة العمل الفنّي، سواء كان مخطوطًا قرآنيًا، أو لوحة خطّ عربي، أو زخرفة نباتية. هدف التأطير في الفنّ الإسلامي ينطلق من مبدأ توقير المضمون، بخاصّة عندما يتعلّق الأمر بالآيات القرآنية أو الحكم البليغة؛ لأنّ الإطار هنا ليس مجرّد حاجز فيزيائي، بل بوّابة تنقل المشاهد من العالم المادّي إلى عالم التأمّل، فيُستثمر الإطار فنيًّا ليكون امتدادًا للوحدة الزخرفية داخل اللوحة، ممّا يخلق حالة من التناغم البصري تمنع من تشتّت العين وتجذبها نحو المركز أو بؤرة النصّ المزخرف، ومن أبرز أنواع التأطير: 1- الزخرفة الهامشية (التذهيب): في المخطوطات واللوحات الخطّية يُعدّ الهامش نوعًا من التأطير الداخلي، إذ يُستثمر هذا الجانب باستخدام ورق الذهب والألوان الطبيعية لرسم زخارف هندسية أو نباتية-الأرابيسك-محيطة بالنصّ، ومن ثم يزيد التأطير من الهيبة البصرية للنصّ المكتوب ويمنحه عمقًا تاريخيًا وفخامة لا تضاهى. 2- الأطر الخشبية المحفورة: يُستثمر فنّ الحفر على الخشب-الأويمة-لصناعة أُطر تحمل وحدات زخرفية إسلامية مستمدّة من العمارة، كالمقرنصات أو الأطباق النجمية عن طريق استخدام خشب الأبنوس أو الجوز وتطعيمه بالصدف أو العاج، ممّا يضيف بُعدًا لمسيًا وتراثيًا يجعل الإطار بحدّ ذاته تحفة فنّية موازية للوحة. 3- تعدّد الطبقات: (الباسبارتو) هو الإطار الورقي أو الكرتوني الداخلي الذي يفصل بين اللوحة والزجاج، يُستخدم في اللوحات الإسلامية الحديثة بأسلوب الطبقات المتعدّدة، إذ تُقصّ أطراف الورق المقوّى بزوايا تحاكي العقود الإسلامية-الأقواس- ممّا يمنح اللوحة عمقًا بصريًا يوحي بأنّ النص يطلّ من نافذة معمارية أثرية. في العصر الحديث أصبح تأطير اللوحات الإسلامية مجالًا استثماريًا يجمع بين الحرفة اليدوية وبين التقنيات الرقمية عن طريق دمج الإضاءة المخفيّة داخل الأطر لإبراز تفاصيل الخطّ العربي، مثلما يُستخدم الزجاج المتحفي لحماية الأحبار التقليدية من التحلّل؛ لذلك من المهمّ اختيار إطار يدمج بين حداثة التصميم وروحانية الفنّ الإسلامي، ويسهم في جعل اللوحات قطعًا مركزية في التصاميم العالمية، ممّا يرفع من قيمتها السوقية ويحفظ الهوية البصرية للفنّ الإسلامي في القوالب المعاصرة، وبذلك يتحوّل الإطار من مجرّد قالب إلى قصيدة بصرية تخدم النصّ، وتحمي التراث، وتعكس رقي الذوق الإسلامي في تقدير الجمال وتأطيره.