الكتاب والكتابة في ضوء القرآن الكريم

رحاب حسين العريفاوي/ النجف الأشرف
عدد المشاهدات : 15

تُعدّ الكتابة من أعظم النِعم التي منَّ اللّه تعالى بها على الإنسان، فبها حُفظ العلم، وانتقلت المعارف، وتوارثت الأمم تجاربها، واستقرّت الحضارات على أسس راسخة؛ لذلك أولى القرآن الكريم الكتاب والكتابة عناية خاصّة، وجعلهما من أعظم أدوات الهداية والبناء الإنساني، ولم يكن من قبيل المصادفة أنْ تبدأ الرسالة الإسلامية بأول كلمة نزل بها الوحي وهي قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (العلق:1-5)، فقد اقترن الأمر بالقراءة والتعليم بالقلم في إشارة بليغة إلى أنّ بناء الإنسان يبدأ بالعلم، وأنّ القلم هو الأداة التي تحفظ المعرفة ويورّثها للأجيال. وقد زاد القرآن الكريم في تعظيم شأن الكتابة حين أقسم بالقلم، فقال سبحانه: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (القلم:1)، وليس القسم في القرآن إلّا بما له منزلة عظيمة، فالقلم أداة تدوين الوحي، ووسيلة حفظ الفكر، وركيزة قيام الحضارات، فلم تعد الكتابة في المنظور القرآني مجرّد مهارة بشرية، بل أصبحت رسالة تؤدّي دورًا في نقل الحقّ، ونشر الهداية، وحفظ الفكر، وإقامة العدل بين الناس، ويتجلّى اهتمام القرآن بالكتابة بصورة أوضح في تنظيم حياة المجتمع، إذ جاءت أطول آية في القرآن الكريم وهي (آية الدَيْن)؛ لتؤكّد أهمّية توثيق الحقوق بالكتابة، فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (البقرة:282)، فهذا التوجيه القرآني يكشف عن بُعد حضاري عميق، فالكتابة ليست وسيلة لحفظ العلوم فقط، بل ضمانة لحفظ الحقوق، ومنع أسباب النزاع، وتحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع، ولذلك أصبحت الكتابة في الرؤية القرآنية أداة أخلاقية وقانونية في آن واحد(1). وقد جاء لفظ (الكتاب) في القرآن الكريم بدلالات عديدة تثري هذا المفهوم، فيُطلق على الوحي الإلهي، كقوله تعالى: ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (البقرة:2)، ويُطلق على الكتب السماوية مثلما جاء في قوله سبحانه مخاطبًا نبيّه يحيى (عليه السلام): يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (مريم:12)، وكذلك يدلّ على سجّل أعمال الإنسان يوم القيامة، كقوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (الكهف:49)، وهذا التنوّع في استعمال لفظ (الكتاب) يرسّخ في نفس المؤمن أنّ كلّ كلمة يكتبها أو ينطق بها محفوظة عند الله تعالى، وأنّ الإنسان مسؤول عنها يوم الحساب، فقد قال سبحانه: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق:18)، وبذلك تصبح الكتابة أمانةً قبل أنْ تكون موهبة، وتكليفًا قبل أنْ تكون وسيلةً للتعبير. ولم يكن ازدهار الكتابة في الحضارة الإسلامية إلّا ثمرة مباشرة لروح القرآن الكريم، فقد نشأت حركة التدوين، وأُسّست المكتبات، وازدهرت علوم التفسير والحديث والفقه واللغة، وظهر العلماء والباحثون والفقهاء الذين حفظوا تراث الأمة عبر التأليف والنسخ والتعليم، فتحوّلت الأمة من حالة الأمية قبل الإسلام إلى أمة تقود العالم بالكتاب والعلم والقلم، ومن هذا المنطلق يُعدّ الكاتب في الرؤية القرآنية ليس ناقلًا للكلمات فحسب، بل شاهدًا على عصره، ومسؤولًا عمّا يخطّه قلمه؛ لأنّ الكلمة قد تحيي ضميرًا، أو تصلح مجتمعًا، أو تحفظ حقًّا، وقد تكون سببًا في تضليل الناس وإفساد الوعي إنْ استُعملت في غير موضعها. وقد أكّدت النصوص الشريفة فضل الكتابة إذا سُخّرت لخدمة الحقّ وأهله، فقد رُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "إنّ الله تبارك وتعالى جعل لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا يحصي عددها غيره، فمَن ذكر فضيلةً من فضائله مقرًّا بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر... ومن كتب فضيلةً من فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم"(2)، وفي هذا الحديث دلالة على أنّ الكتابة إذا كانت في سبيل نشر الفضائل والقيم والحقائق كانت عملًا صالحًا يبقى أثره، ويبقى أجره، وقد صدق الشاعر حين قال: اعكف على الكتب وادرس تحز فخار النّبوة فـــــاللّه قال ليحيــــــــــــــىٰ خذ الكتــاب بقوّة(3) مقتبسًا ذلك من قوله تعالى: يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ  (مريم:12). وممّا تقدّم نرى أنّ القرآن الكريم أسّس لثقافة الكتاب والكتابة بوصفهما ركيزتي العمران الإنساني والهداية الربّانية؛ لأنّ القلم يحفظ الدين، وبالكتاب تُصان الثوابت، وبالكلمة الصادقة يسمو الإنسان نحو الكمال؛ لذلك ينبغي أنْ يكون القلم رسالة للإصلاح، ومنارةً للوعي، وجسرًا لنقل العلم والمعرفة والخير. ......... (1) مجمع البيان: ج2، 219-225 . (2) مائة منقبة، لابن شاذان: ص177. (3) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: ج2، ص271.