مركز الثقافة الأسرية.. ركيزة معرفية في رؤية العتبة العباسية المقدسة للأسرة

دلال كمال العكيليّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 15

يمثّل مركز الثقافة الأسرية التابع لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة أحد المسارات التي تتّجه عن طريقها العتبة المقدّسة إلى تقديم محتوى ثقافي متخصّص يُعنى بقضايا الأسرة والمرأة، انطلاقًا من أهمّية المعرفة المتخصّصة في التعامل مع القضايا التي تمسّ حياة الأسرة ومراحلها المختلفة. ولا ينحصر عمل المركز في تقديم الاستشارات النفسية، بل يقوم على مساحة أوسع من العمل الثقافي والتوعوي، يجمع بين الاستشارة والبرامج والمحاضرات والورش التي تقدّمها متخصّصات في الطبّ النفسي والإرشاد التربوي، ممّا يتيح تناول القضايا الأسرية من زوايا تخصّصية متعدّدة. معرفة متخصّصة لقضايا الأسرة تقوم رؤية المركز على بناء وعيٍ أسريّ راسخ، يزوّد المرأة والأسرة بالمعرفة النفسية والتربوية المتخصّصة التي تمكّنها من فهم ذاتها، ومراحل نمو أبنائها، وطبيعة علاقاتها الأسرية، والاستعداد الواعي للحياة الزوجية بما يعزّز من قدرتها على التعامل مع تحدّيات الحياة بوعيٍ ونضجٍ ومسؤوليةٍ. وينطلق المركز من إيمانه بأنّ الوعي والمعرفة يمثّلان خطّ الدفاع الأول عن الأسرة، وأنّ التعامل مع القضايا النفسية والتربوية لا ينبغي أنْ يبدأ بعد تفاقم المشكلة، بل عن طريق الوقاية، وبناء الفهم الصحيح، وتنمية المهارات التي تساعد الأسرة على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا واتزانًا؛ لذلك يقدّم المركز محتوىً متخصّصًا يستجيب لاحتياجات المرأة في مختلف مراحل حياتها، ويتناول قضايا الأسرة، والمرأة، والأبناء، والعلاقات الزوجية، والتربية، والصحّة النفسية بأسلوب يجمع بين العمق العلمي، ووضوح الطرح وقربه من الواقع. وتتكامل الاستشارات النفسية مع البرامج الثقافية والتوعوية ضمن منظومة واحدة تجعل المعرفة وسيلةً للتغيير، والاستشارة مساحةً للفهم والمعالجة، والتوعية أداةً للوقاية وبناء أسرة أكثر استقرارًا وقدرةً على مواجهة تحدّيات الحياة. الاستجابة لاحتياجات المجتمع وتبرز خصوصية عمل المركز في حرصه على أنْ تكون برامجه مرتبطة بالاحتياجات الفعلية للنساء من مختلف شرائح المجتمع، إذ تتنوّع الموضوعات التي يتناولها تبعًا للقضايا التي تمسّ الأسرة في مراحلها المختلفة، ويشمل ذلك الجوانب المتعلّقة بالطفولة والمراهقة، والإعداد للزواج، والقضايا الزوجية، إلى جانب الطبّ النفسي وطبّ العائلة، ممّا يعكس اتساع مساحة الاهتمام التي يوليها المركز للأسرة بوصفها منظومة مترابطة تتعدّد احتياجات أفرادها. ولا تأتي هذه الموضوعات بمعزل عن الزمن والظرف الاجتماعي، إذ يعمل المركز على مواءمة برامجه مع المواسم والمناسبات ومراحل السنة المختلفة، ممّا يجعل المحتوى المقدّم أكثر اتصالًا بالاحتياجات التي تظهر في كلّ مرحلة. من الاستشارة إلى التوعية تأخذ الاستشارة النفسية في عمل المركز موقعًا مهمًّا؛ لكنّها لا تمثّل المسار الوحيد في التعامل مع القضايا الأسرية، إذ يتّجه المركز إلى توسيع دائرة الإفادة من الاختصاص عبر البرامج الحضورية والمحاضرات والورش التي تتيح تقديم المعرفة إلى شريحة أوسع من النساء. ويمنح هذا التنوّع العمل الثقافي للمركز بُعدًا وقائيًا وتوعويًا عن طريق إتاحة المعلومات المتخصّصة في موضوعات قد تحتاج الأسرة إلى فهمها قبل أن تتحوّل إلى مشكلات أكثر تعقيدًا، مثلما أنّ تقديم هذه الموضوعات من قِبل المتخصّصات في الطبّ النفسي والإرشاد التربوي يربط المحتوى المقدّم بالاختصاص، ويمنح المرأة فرصة الوصول إلى المعرفة ذات الصلة بالقضية التي تبحث عنها في ضمن إطار مهني متخصّص. مواكبة مراحل الأسرة تنطلق برامج المركز من إدراك تعدّد المراحل التي تمرّ بها الأسرة؛ لذلك لا يأتي المحتوى بصيغة واحدة ثابتة، بل يتغيّر وفق الموضوع والمرحلة والاحتياج، فالطفولة لها قضاياها التي تحتاج إلى وعي تربوي، والمراهقة لها احتياجاتها الخاصّة، مثلما أنّ مرحلة الإعداد للزواج تحتاج إلى معرفة تساعد الفتيات على فهم هذه المرحلة، في حين تفرض الحياة الزوجية قضاياها التي تحتاج إلى وعي وإرشاد، إلى جانب الجوانب المرتبطة بالصحّة النفسية وطبّ العائلة. وبذلك تتشكّل البرامج بشأن احتياجات المرأة والأسرة في مراحل متعدّدة، بدلًا من حصر العمل في جانب واحد من جوانب الحياة الأسرية. حضور يرتبط بالمواسم والمناسبات ويراعي المركز في إعداد برامجه طبيعة المواسم والمناسبات التي تشهدها السنة، إلى جانب مراحل الدراسة والعطلة وغيرها من المحطّات التي تتغيّر معها احتياجات النساء والأسر. وتتيح هذه المرونة للمركز في أنْ يقدّم محتوى يتناسب مع توقيت الحاجة إليه، فالموسم الدراسي يفرض موضوعات تختلف عن تلك التي تبرز في العطلة، مثلما أنّ المواسم التي تشهد حضورًا نسويًا واسعًا تتيح تقديم برامج خاصّة تتناسب مع طبيعة المناسبة واحتياجات النساء فيها. وهذا النهج يجعل البرنامج الثقافي أكثر ارتباطًا بواقع المجتمع، ويمنح المركز قدرة على الانتقال من تقديم محتوى عام إلى محتوى يستجيب للمرحلة التي يمرّ بها المستفيدون. الاختصاص أساس بناء المحتوى ويستند المركز في برامجه إلى متخصّصات في الطبّ النفسي والإرشاد التربوي، ممّا يعكس اعتماد الاختصاص أساسًا في إعداد المحتوى وتقديمه. وتكتسب هذه النقطة أهمّية في القضايا الأسرية تحديدًا؛ لأنّ الموضوعات التي يتناولها المركز ترتبط بجوانب نفسية وتربوية تتطلّب معرفة متخصّصة قادرة على تقديم المعلومة بصورة دقيقة، وطرح الحلول المناسبة لطبيعة القضية المطروحة. وعن طريق هذا المسار، يلتقي العمل الثقافي بالاختصاص؛ لتتحوّل البرامج والمحاضرات والورش إلى أدوات لنقل المعرفة المتخصّصة إلى النساء بما يساعدهنَّ على التعامل بصورة أكثر وعيًا مع القضايا الأسرية. رؤية العتبة المقدّسة: المعرفة في خدمة الأسرة تنطلق العتبة العبّاسية المقدّسة من رؤية تجعل الأسرة محورًا في بناء الإنسان والمجتمع، وترى أنّ استقرارها لا يتحقّق بمعالجة مشكلاتها بعد وقوعها، بل ببناء وعيها وتعزيز قدرتها على فهم ذاتها ومراحلها وتحوّلاتها، ومن هذا المنطلق يأتي مركز الثقافة الأسرية ليكون جزءًا من مشروع معرفي يسعى إلى تأسيس وعي أسري مستند إلى الاختصاص، وقادر على استباق الاحتياجات ومواكبة التحوّلات التي تواجه المرأة والأسرة في المجتمع العراقي. وتتّجه الرؤية استراتيجيًا من معالجة المشكلات إلى الوقاية، ومن تقديم المعلومة إلى بناء الوعي، ومن الاستجابة للحاجة إلى استشرافها عبر معرفة نفسية وتربوية واجتماعية ترتبط بمراحل الأسرة المختلفة، وتتحوّل إلى برامج وثقافة وإرشاد يسهم في تمكين أفرادها من الفهم والاختيار والتعامل الواعي، فالاستثمار في وعي الأسرة هو استثمار في الإنسان، وفي تماسك المجتمع ومستقبله.