بين بريق المظاهر وجوهر البساطة

هدى نصر المفرجيّ/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 13

في ميزان الوعي الفاطمي تُقاس الأمور بجوهرها لا ببريق ظاهرها الزائف، وبنقائها لا بتكلّفها، إلّا أنّنا بتنا نشهد في الآونة الأخيرة سيلًا جارفًا من الشكليات والمظاهر التي أخذت تتسلّل إلى مناسباتنا الاجتماعية والعبادية على السواء، حتى تحوّلت قمّة الفرح في بعض الأحيان إلى عبءٍ يثقل كاهل الأُسر، وغدت المباهاة والتنافس المادّي حاجزًا يحجب المعنى الحقيقي للمناسبة ورسالتها الإنسانية والروحية، ومن أجل الغوص في أسباب هذه الظاهرة، ومعالجة آثارها النفسية والاجتماعية في الأسرة والمرأة ، توجّهنا بالسؤال عن سبل العودة إلى البساطة الواعية والجمال الحقيقي غير المتكلّف :بين بريق المظاهر وجوهر البساطة، ما الذي حوّل مناسباتنا الاجتماعية والعبادية من محطّات للتراحم والسكينة إلى عبءٍ يثقل كاهل الأسرة؟ وكيف نصنع معًا وعيًا يعيد إلى المناسبات رسالتها الإنسانية والروحية؟ أجابتنا بنين كاظم الشمري/ بكالوريوس اقتصاد :أرى أنّ شيوع التفاخر والمباهاة طمس معالم الفطرة السليمة، وأفقدنا السكينة التي كنّا نستشعرها بأبسط الأشياء، والحقيقة إنّ العبادات لا تتطلّب البذخ، فالربّ كريم يضاعف الأجر بالنيّات الصادقة لا بالمصاريف المبالغ فيها، وكذلك المناسبات الاجتماعية باتت تُهدر فيها الأموال من دون تخطيط لمجرّد إرضاء الغرور ومجاراة الآخرين بذريعة (مرّة في العمر)، متناسين أنّ وراء بريق المظاهر قد تختبئ مشاعر الحسد والغيرة، بينما كانت (لمّة) العائلة البسيطة سابقًا بقلوبهم النظيفة تصنع سعادة لا تُنسى، وهذا الإسراف في المال والكماليات لا تحصد الأسرة منه سوى إرهاق كاهل ربّ الأسرة ومسؤولية عظمى نُسأل عنها بين يدي الله تعالى مثلما قال عزّ من قائل: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۞ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء:88-89). وقالت شيماء منقذ/ مدرّسة لغة عربية :إنّ البريق الخارجي خادع، ومنْ أراد التألّق الحقيقي فعليه بالجوهر، ولعلّ أبرز ما حوّل مناسباتنا إلى هذا الشكل المتكلّف فيه هو حمّى التصوير السطحي، وهوس إثبات الذات عبر المظاهر، حتى كاد الإنسان يتحوّل إلى مجرّد كائن مادّي تُقاس قيمته بنوع سيارته أو هاتفه، لا بعقله وفكره وإنجازه! ولإعادة الوعي وإحياء القيمة الحقيقية للإنسان والمناسبة معًا، نحن بحاجة ماسّة إلى تغيير مقاييسنا، والتأكيد على البُعد المعنوي والروحي لهذه اللقاءات؛ ليتذكّر الجميع أنّ قيمة المرء تكمن في جوهره الإنساني لا في مقتنياته المادّية. وأبدت سارة حيدر/ بكالوريوس طبّ وجراحة عامة رأيها قائلةً: إنّ حمّى التقليد الأعمى للمشاهير وصنّاع المحتوى على منصّات التواصل، رسّخ وهمًا بأنّ التميّز لا يكون إلّا بمجاراة حياتهم الباذخة، ممّا أشعل سباقًا محمومًا للمباهاة في المناسبات الاجتماعية التي أُنشئت أساسًا لتقوية العلاقات الإنسانية وبثّ الألفة والتراحم، لكنّها استُلبت لصالح المادّيات، أمّا الحلّ فيبدأ من تحلّينا بالشجاعة الكافية لمشاركة بساطتنا بوعي واعتزاز، وألّا نخجل منها أمام سيل التظاهر الزائف، فالحقيقة الراسخة هي أنّ البساطة كانت ولا تزال الأجمل والأكثر نقاءً. وأجابت حنان حازم/ كاتبة :حين نتأمّل كيف تسلّلت ثقافة المبالغة إلى مناسبات كان جوهرها الألفة والرحمة، نجد أنّ مقياس النجاح تحوّل من عمق الأثر في النفوس إلى حجم الإنفاق المادّي، وصار البريق الخارجي هو الغاية، فأصبحنا نتمسّك بالقشور ونترك اللب، وننشغل بشكل أواني التقديم وهوية الحاضرين، مستبعدين الأهداف السامية من صِلة الرحم، والمواساة، وذكر الله تعالى وشكره، ومن ثم تقيم الأسرة المناسبة وهي مثقلة بالقلق والديون، وتخرج منها منهكة بلا سكينة، والحلّ يبدأ من مواجهة الذات، فقبل أيّ مناسبة علينا أنْ نسأل أنفسنا بصدق: هل غايتنا المواساة أم المباهاة؟ هل نطلب رضا الله تعالى أم ثناء الناس؟ فالبساطة شجاعة وليست نقصًا، وإعادة المكانة إليها ليس تقليلًا من شأن المناسبات، بل هي استعادة لرسالتها الحقيقية لتعود ميدانًا للمحبّة لا للمنافسة، وللتكافل لا للتكلّف. يتّضح لنا جليًا أنّ العودة إلى البساطة الواعية ليست مجرّد خيار اجتماعي أو تدبير اقتصادي، بل هي ضرورة عقائدية وإنسانية تُمليها علينا قيم الوعي الفاطمي، وأنّ البيوت التي أُسّست على الرضا بما قسم الله سبحانه، وجعلت من القناعة زينة محافلها، هي البيوت الأقرب إلى الاستقرار والبركة.