من يرسم الطريق؟

خلود ابراهيم البياتي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 8

من أجمل العلاقات الإنسانية التي تترك بصمةً واضحةً في سجّل الحياة، وتشكّل منعطفًا لا يُستهان به، هي علاقة الصداقة التي يرى فيها كلّ طرفٍ الآخر واحةً وارفةَ الظلال للخلاص من صخب الحياة وزحمة متاعبها، واليد الحانية التي تمسح الحزن عن القلب المتعب؛ ليُزهر اطمئنانًا وراحة بال بوجود السند والأمان. رابطة الصداقة هي من أدقّ الأمور التي تنساب عبرها العديد من الأفكار والمعتقدات من طرف إلى الآخر بشكل تدريجي غير مُلاحظ للجميع؛ نظرًا للتواصل المستمرّ، إذ تظهر التفاصيل المخبوءة عن الآخرين بأدقّ التفاصيل، فيرتدي كلّ طرف طباع جليسه، ويتقمّص حركاته ويتفوّه بكلماته لا شعوريًا، فتكون أشبه بالعدوى العاطفية التي تكمن فيها الخطورة من تسلّل الأفكار غير المناسبة لمجتمعنا المحافظ، ومع مرور الوقت تُترجم إلى سلوكيات غير مرغوبة وسط دهشة الجميع من تلك الأفعال المستهجنة، ومن أين أتت وكيف تبنّاها ذلك الشخص. إنّ القرب المستمرّ لمدّة طويلة يؤدّي إلى التغيير المذكور وتبنّي الأفكار والسلوكيات، بل الدفاع عنها بكلّ ما أُوتي الفرد من قوة، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا، وذلك رغبةً في البقاء بالقرب من الشخص المقرّب وعدم خسارته، وفي حال كونهم مجموعة من الأصدقاء، فسيكون تأثير الجماعة أشدّ في الفرد، إذ يحاول تغيير آرائه لمجرّد موافقة المجموعة وعدم الخروج منها، وهنا يصبح الصديق ليس مجرّد رفيق الدرب، بل قوة مؤثّرة تسهم في تشكيل الشخصية وتوجيه المسار. ولنتخطَّ الصداقات الإنسانية العادية إلى ما وصلنا إليه من الصداقة الافتراضية التي انتشرت بشكل كبير عن طريق الذكاء الاصطناعي والحديث المستمرّ مع البرامج المعروفة بـ(الشات)، فصارت محطّات للتواصل والتعبير عن المشاعر وطلب المساعدة في حلّ المشكلات، ولا ننسى أبدًا ما فيها من أخطار على العلاقات بين أفراد العائلة الواحدة، فأصبح من السهل الاستغناء عن الجميع واللجوء إلى شاشة الجوّال للحصول على مشاعر السعادة والاطمئنان والانتماء لمَن يتفهّم، ويستوعب، ويحتوي بأسهل طريقة ممكنة. نحتاج إلى نشر الوعي بأهمّية العودة إلى اللحمة المجتمعية ودفء العائلة، وإشعار أفراد البيت الواحد بالانتماء وكونهم جزءًا حيويًا لا يُستغنى عنه. في نهاية المطاف نسأل: مَن يقود القافلة؟ إنّ الإنسان يسير بخطواته، لكنّه كثيرًا ما يستمدّ اتجاهه من الذين يرافقونه في الطريق، وفي هذا الوقت تتجاذبه العديد من الجهات التي أُضيف إليها أخطرهم فعليًا، فهو مَن يرسم الطريق بكلّ احترافية ليهرول الجميع إليه.