رياض الزهراء العدد 236 ألم الجراح
حين اهتزت المنارات وبقي النور
لم يكن الصباح يشبه أيّ صباحٍ آخر، كانت المدينة تستيقظ على صمتٍ ثقيل، كأنّ الأزقّة القديمة تشعر بأنّ جرحًا كبيرًا يقترب منها، هناك عند المرقد الذي ظلّ قرونًا يسكب هيبته على المدينة، لم يكن البناء حجارةً ومناراتٍ فحسب، بل ذاكرة أمة كاملة، ومرفأً ترسو عنده سفنُ القلوب المتعبة كلّما عصفت بها أمواج السنين.وحين دوّى الانفجار، ظنّ أعداءُ النور أنّهم قادرون على إغراق الحنين في عباب الجراح، وأنْ يجعلوا الموج أعلى من صوت المحبّين، لكنّهم لم يدركوا أنّ سامرّاء تعلّمت منذ قرون كيف تحتفظ بالضياء في أعماق الروح مثلما يحتفظ الشتاءُ بمؤونة الربيع وإنْ انقطعت الفصول عنه. هُدّمت المنارات، لكنّها لم تُهدم في القلوب، وتناثرت الأحجار غير أنّ الذكرى بقيت أشدّ رسوخًا من الصخر. كان المشهد كحقلٍ حاولت الريح أنْ تسرق حصاده، فإذا بالإيمان يبقى واقفًا بمنزلة فزّاعة نجاةٍ في وجه الخراب، يعلّم الأجيال أنّ المقدّسات لا تُقاس بما يُهدم منها، بل بما تبعثه من حياةٍ في النفوس. ومنذ ذلك اليوم ظلّت سامرّاء تتهجّى أسماء زائريها عن ظهر حبّ لا يُنسى، وتقرأ في وجوههم لهفةً متجدّدةً، كأنّها خاتم من وفاء تتوارثه الأرواح جيلًا بعد جيل. وكلّما مرّت ذكرى التفجير، عاد الألم حاضرًا، لكنّه ألم يصنع يقينًا بأنّ النور الذي سكن العسكريين (عليهما السلام) أكبر من أنْ تطفئه نار الحقد، وأنّ المدينة التي حفظت سرّ الإمامة قادرة أنْ تحفظ أيضًا حكاية الصبر والانتصار. لم تكن المنارات بناءً يعلو في الأفق فحسب، بل كانت أكفّ دعاء توحّد الله تعالى، وشواهد وفاء تحرس ذاكرة المؤمنين، وحين امتدّت إليها يدُ الخراب، بدا المشهد كأنّ الزمن اختلطت فيه الجراح بالأمنيات، لكنّ سامرّاء بقيت أكثر ثباتًا من العاصفة، وأعمق جذورًا من كلّ ما أراد اقتلاعها. هكذا بقيت سامرّاء: جرحًا مضيئًا، كلّما حاول الظلام أنْ يقترب منه، ازداد إشراقًا. وبقيت المنارات وإنْ غابت صورتها عن الأفق يومًا، حاضرةً في القلوب، تروي للأجيال أنّ الحقّ قد يُحارب، لكنّه لا يُهزم، وأنّ النور الذي خرج من بيت العسكريين (عليهما السلام) سيظلّ يهدي التائهين مهما تكاثفت حوله ظلمات السنين، وها هي اليوم سامرّاء قد عادت تشعّ في الآفاق.