عظماء في صمت

منتهى محسن محمد/ بغداد
عدد المشاهدات : 8

لم يكن (هادي) يحبّ التصوير ولا الظهور، حتى الحديث عن نفسه، كان يؤدّي واجبه بصمت، لا يسرد المواقف، ولا يشتكي أو يبوح بأسراره في المجالس، بل علّق الصمت قلادة محارب ومدافع، مثلما أنّه اعتاد الجلوس مع والده المريض كلّ ليلة، يرتشف من صحيفة وجهه العزم والإرادة، ومن حكايات ذاكرته الخصبة النصح والموعظة، يبدّل له ثيابه وينظّف هندامه بكلّ اهتمام ووقار، ثم يلتفت صوب إخوته ليلملم معهم بعض مَهامّ المنزل بحنوّه الكبير وابتسامته الفيّاضة، ثم يلوذ بصمته العميق كأن شيئًا لم يكن. قال له أحد أصدقائه يومًا: هادي، لماذا لا تخبر الناس بما تقدّمه. ابتسم قائلًا: علم ربّي بما أفعله يغنيني عن جهل الناس. وعلى السواتر يُعرف الرجال، وفي اشتداد الخطب وعراك المبادئ تظهر المعادن وتنجلي الحقائق، ففي إحدى المَهمّات حين اشتدّ النزال وصار الاحتدام شرسًا، أُصيب (هادي) إصابة بالغة، لكنّه لم يخبر عائلته، بل انقطع عنهم مطمئنًا إياهم بأنّه بخير وفي مهمّة طويلة، وبعد أشهر من العلاج عاد إلى أهله بعكّاز وابتسامة، متذرّعًا بأنّه تعرّض لحادث عرضي. احتضنه والده ودموع الأبوة تنسكب من قلبه الرحيم غزيرة، فتلقّاها بصبره وشيمه النبيلة بعد أنْ أغرق والده بقبلاته الممتّنة، عاد إلى حياته حيث دائرة البيت والمسجد، وكان الناس في المسجد يلمحون في هدوئه وسكونه دفئًا وجمالًا فريدًا، بخاصّة أنّه أبهرهم بتطوّعه في حملات خدمة الفقراء ومساعدة عوائل الشهداء والأيتام من دون أنْ يعلم أحد منهم أنّه من أبرز أبطال الميدان. وذات يوم أُقيم في المسجد احتفالٌ مهيبٌ لتكريم الجرحى من قوّات الحشد الشعبي، اصطفّ الناس، وكان (هادي) يقف في آخر الصفوف متّكئًا على عكّازه، يراقب المشهد بابتسامته الوديعة ذاتها حتى ارتفع صوت المذيع عبر مكبّر الصوت بنبرة فخر: والآن..نتشرّف بتكريم بطل من أبطال معركة الصمود، الذي أُصيب وهو يذود بجسده عن رفاقه، ورفض أنْ يغادر الميدان حتى أمّن ساتر الفداء. ساد الصمت، والتفت الناس يمينًا وشمالًا، يتساءلون بشغف: مَن يكون هذا البطل الخفيّ؟ حتى والد (هادي) الذي كان يجلس في الصفّ الأول رفع رأسه بفضول يترقّب ظهور هذا المقاتل الأسطوري، فتابع المذيع وعيناه تبحثان بين الحشود وهتف بملء حنجرته: ندعو إلى المنصّة البطل المدافع (هادي)! اتّجهت الأنظار إلى الوراء وتراجع الناس ليفسحوا الطريق لشاب نحيل يتحرّك بوقار وعيونهم تتّسع شيئًا فشيئًا من الدهشة، التفت الأب لتسقط عيناه على ولده (هادي)! تسمّرت العبارات في الأفواه، وقال أحد الجيران وهو يذرف دموع الفخر: أيُعقل هذا؟! يعيش بيننا كظلّ هادئ وهو إعصار في الميدان! لم تمضِ إلّا دقائق واعتلى (هادي) المنصّة واستلم درع التكريم، ثم علّق بكلمات وجيزة: لا تبحثوا عن الشهرة، بل ابحثوا عن الإخلاص، فالعمل الذي يرضي الله تعالى لا يحتاج إلى إعلان. ساد الصمت في المسجد، ثم علت الأصوات بالتكبير والصلوات، وهكذا خرج (هادي) من المسجد مثلما دخله متواضعًا هادئًا، لا يتوقّع مدحًا أو ثناء.