جيل بلا إيقاع... حين تصبح الفوضى أسلوب الحياة
دقّت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وما يزال مصباح حجرة (أحمد) مُضاءً، يتنقّل (أحمد) بين تطبيقات مواقع التواصل تارة أو ينشغل بالألعاب الإلكترونية مع أصدقائه تارة أخرى، إذ جعل من الصباح موعد نومه فيما تأجّلت وجبة إفطاره إلى ما بعد الظهيرة، تختلط مواعيد طعامه ونومه ودراسته والعمل في فوضى دائمة تبدو لبعضهم أمرًا عاديًا، إلّا أنّها تثير قلق الكثير من العوائل؛ لأنّ (أحمد) ليس أنموذجًا منفردًا، بل يمثّل جيلًا واسعًا من الفتيان والفتيات الذين يعيشون في الدائرة نفسها، وفي هذا السياق تأخذ مجلة رياض الزهراء (عليها السلام) القرّاء في جولة استطلاعية عن مشكلة العشوائية في نمط الحياة التي لم تعد تقتصر على غرفة غير منظّمة أو ملابس متناثرة، بل سلوك يومي ينعكس على الصحّة والعلاقات الأسرية والإنتاجية، فهل هي سمة فرضها العصر الرقمي، أم نتيجة لغياب التوجيه الأسري؟ أم أنّها انعكاس لضغوط نفسية يعيشها الشباب؟ حدّثتنا أمّ أحمد -ربّة بيت: أشعر أنّنا نعيش في بيت واحد لكن بتوقيتين مختلفين، فحينما استيقظ لأداء فريضة صلاة الصبح يخلد ابني إلى النوم، بدأ الأمر يضايقني كثيرًا واعترض والده على نمط حياته، وقد حاولت تنظيم يوم ولدي لكنّ الهاتف كان أقوى من كلّ نصيحة، وقالت بحسرة: باتت الفوضى لا تقتصر على مواعيد النوم، بل امتدّت إلى غرفة ابني التي صارت غير قابلة للعيش نتيجة الملابس المتناثرة والسرير المبعثر، فضلًا عن وجبات الطعام غير الصحّية في أوقات متأخّرة من الليل، مثلما أنّ اجتماع العائلة على مائدة الطعام صار أمرًا نادرًا. فيما قال سمير حسين-موظف حكومي-: إنّ المشكلة ليست في الشباب وحدهم، بل هو تغيّر أسلوب الحياة، نحن أيضًا انشغلنا عن أبنائنا، وكلّ فرد يعيش مع هاتفه؛ لذلك نجد التواصل داخل العائلة أصبح قليلًا جدًا، وفي بعض العوائل بات شبه معدوم؛ لذلك يفتقر الشباب إلى القدوة والرقابة والتوجيه. وكان لمؤمّل الشبلاوي-طالب جامعي-وجهة نظر مختلفة: أرفض وصف جيلنا بالفوضوي، وذلك لأنّ نمط الحياة تغيّر، فالدراسة تمتدّ إلى الليل، إضافةً إلى أنّ الكثير من الأعمال أصبحت تُنجر عبر الإنترنت؛ لذلك من الطبيعي أنّ تختلف مواعيد النوم، نعم لربّما هناك نوع من العشوائية أو الفوضى؛ لكنّها ليست دائمًا بسبب الإهمال. وتقول أمّ حسين-ربّة بيت: "إنّ تغيّر نمط الحياة لا يعود بشكل كبير إلى التطوّر التكنولوجي، فالأجهزة والهواتف الذكية تُعدّ وسائل للتسلية، أو العمل، أو الدراسة إذا ما استخدمت بالشكل الصحيح وتحت إشراف الأبوين، فالاتّكالية هي السبب الرئيس لانعدام المسؤولية، ممّا أدّى إلى انتشار الفوضى والعشوائية في نمط الحياة داخل الأسرة وخارجها، فأنا زوجة وأمّ لثلاثة أطفال، كان أولادي يعتمدون عليّ في كلّ شيء، من تحضير الطعام وترتيب خزانة الملابس وغرف النوم، إلى تنظيم الكتب؛ لذلك سعيتُ أنا ووالدهم إلى تعويدهم على الاعتماد على أنفسهم، ووصل الأمر أحيانًا إلى تهديدهم بقطع مصروفهم اليومي إذا لم يلتزموا بترتيب وسائلهم وتنظيم أوقات الدراسة واللعب والراحة، وقد أثمر هذا الأسلوب بعد مدّة عن تحسّن واضح في نمط حياتهم اليومي. وأوضحت هند مفتن-الاستشارية النفسية من مركز الإرشاد الأسري في العتبة الحسينية المقدسة-: "أنّ مظاهر العشوائية في حياة الشباب كالسهر لساعات متأخّرة، واضطراب النوم، وعدم انتظام وجبات الطعام، وإهمال ترتيب الغرف، أصبحت أكثر شيوعًا نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية وتقنية، مثلما أنّ الضغوط الدراسية والاجتماعية، والقلق، وضعف إدارة الوقت، وانخفاض الدافعية، وغياب الأهداف الواضحة، تدفع بعض الشباب إلى الهروب من ضغوطهم عبر السهر أو الانشغال المستمرّ بالهواتف الذكية، ممّا ينعكس سلبًا على انتظام حياتهم اليومية، وكذلك الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بخاصّة قبل النوم يُعدّ من أبرز أسباب اضطراب العادات اليومية لما يسبّبه من تشتيت الانتباه وإهدار الوقت وضعف الالتزام بالواجبات". وأكّدت: "أنّ الفوضى ليست دائمًا سلوكًا مقصودًا، بل قد تكون انعكاسًا لحالة نفسية كالتوتّر أو الإرهاق أو القلق، وقد تنتج أيضًا عن عادات مكتسبة وغياب التدريب على النظام وتحمّل المسؤولية، ويُعدّ السهر المستمرّ، واضطراب النوم، وعدم انتظام وجبات الطعام سببًا في ضعف التركيز والذاكرة والمزاج، فيضعف التحصيل الدراسي والإنتاجية، فضلًا عن آثارها السلبية في الصحّة العامة؛ لذلك ندعو الأسر إلى اعتماد الحوار والتفاهم بدلًا من اللوم، وأنْ يكون المربّون قدوة في الالتزام بنظام صحّي يراعي مواعيد النوم والطعام والدراسة أو العمل، وتقنين استخدام الهواتف الذكية وتشجيع الأبناء على تحمّل المسؤولية وممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية، فالتغيير الإيجابي يتحقّق بالتدريج، وتنظيم نمط حياة الشباب مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسّسات المجتمعية والشباب أنفسهم، فتهيئة البيئة الداعمة والاستخدام المتوازن للتكنولوجيا يسهمان في بناء شخصية أكثر استقرارًا". قد تبدو الغرفة المبعثرة أو السهر حتى الفجر أو تأجيل الوجبات تفاصيل صغيرة لكنّها عندما تتحوّل إلى نمط دائم فإنّها تترك آثارًا سلبية في الصحّة والنفس والعلاقات الأسرية، وبين إيقاع الحياة السريع وبين مغريات العالم الرقمي يبقى التحدّي الحقيقي هو أنْ يتعلّم الجيل الجديد كيف ينظّم حياته من دون أنْ يفقد حرّيته، وأنْ تدرك الأسرة أنّ التوجيه يبدأ بالقدوة والحوار قبل اللوم؛ لأنّ النظام ليس ترفًا بل أساسًا لحياة أكثر استقرارًا وتوازنًا.