زينب الكبرى (عليها السلام) آية من الذكر الحكيم
حينما نزيح الأستار عن التاريخ الحسيني عن مشهدية الطفّ الدامية، وتشرق أمام أعيننا شموسه القانية، يطرح سؤال ما نفسه: لماذا حمّل سيّد الشهداء (عليه السلام) أخته الحوراء تلك المسؤولية الثقيلة؟ أجل لا يحملها إلّا المعصوم أو تالي المعصوم؟ وإنّها (عليها السلام) تالي المعصوم، جواب مضمّخ بكلّ التضحيات المهولة التي سكبتها على مذبح الإسلام تلك الفئة الجليلة من البشر، عددهم قليل وميزانهم ثقيل، هم أولئك الأولياء الذين نزلت فيهم وفي مَن قبلهم، ممّن اقتدى بهم إذ أدرك خبرهم، تلك الآية العظيمة: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:249)، ففي أرض الطفّ كان انتصار لم يشهد التاريخ مثله، وكانت رسالة السماء إلى الأرض مشفّرةً برموزٍ لا يفقهها إلّا الراسخون في العلم.. إنّه انتصار الباطن على الظاهر، والحقيقة على الوهم، والحقّ على الباطل.. ولابدّ لكلّ انتصار من عنوان، وقد علم الإمام الحسين (عليه السلام) أنّ عنوان انتصاره بدمه المسفوك، وحرمه المهتوك لم يكن إلّا تلك السيّدة العظيمة التي اشتقّ لها الباري من الزين اسمًا، ومن خيرة العالمين أبًا وأخًا وأمًّا، إنّها زينب، وما أدراك مَن زينب جلال في جلال ونور من نور، ورحيق مختوم من شجرة الطور، وعفاف وتقى، وعلم لدنيّ لا يناله إلّا ذو حظّ عظيم، جدٌّ هو المصطفى الكريم، وأبوان هما عليّ المرتضى وفاطمة سيّدة النساء، وأخوان هما سيّدا شباب أهل الجنّة، وصبرٌ غار الصبر منه حتى غار في وادٍ سحيقٍ، وغدا صبر زينب جبلًا يُرتقى لكلّ من بحث عن العزّة والكرامة والنصر الحقيقي.. ربّما يكون عبثًا أنْ يحاول القلم إدراك كنه تلك المرأة التي دُكّت تحت قدميها صروح الطغاة، لا تفوقها في العظمة إلّا أمّها الزهراء (عليها السلام)، بينما تقف كلّ امرأة في التاريخ خلّدتها صفحاته تطأطئ الهام أمام عظمة زينب (عليها السلام). حين يجتمع النسب النبوي بالخلق الفاطمي العلوي والصبر الحسني والبطولة الحسينية فتلك زينب (عليها السلام).. تقف على التلّ كلّ مآثر بدر وحنين؛ لتنظر إلى إخوتها وأبنائها وأنصارها، وكلّ عظيم ولدته النساء في ذلك الزمان، ولتشاهد بأمّ العين ذبح أخيها ثاني السبطين، والبقية الباقية من جدّها المصطفى (صلّى الله عليه وآله)؛ لتنتقل راية الإسلام من كفّ كفيلها الدامية إلى كفّها الحامية.. هي زينب (عليها السلام)، وُلدت ونشأت وترعرعت وشبّت وتزوّجت وأنجبت وكهلت من أجل تلك الراية وما تمثّله.. وتوالت عليها الخطوب فغدت شمسًا تنير الدروب، ولم يكن خطاب الحسين (عليه السلام) لها في نهاية المطاف، وقبل أنْ يسلّمها زمام القافلة في غيابه إلّا التوقيع الأخير الذي بدأت به رحلتها الممهورة بالعذاب، الموصولة بحسن الثواب، المشدودة إلى سفينة النجاة، تمخر ذاك العباب.. زينب (عليها السلام) شقيقة الحسين (عليه السلام) لا في النسب فحسب، بل في كلّ صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياته وحياتها، فمن الطبيعي أنْ تكون شقيقته عند استشهاده، وبعد استشهاده، وأنْ تكون امتدادًا له، وعنوانًا لنهضته، وسبيلًا لتحقيق انتصاره، بعدما نظرت بعين بصيرتها الثاقبة إلى كلّ ما جرى عليها وعليه من بلاء لا يُجارى، فلم ترَ إلّا جميلًا!... زينب العزّة والعنفوان التي لا يوجد في قاموس الكلمات ما يفيها حقّها في الوصف والبيان، لكن عند الباري في قاموس الجنان ما يفعل، فسلام عليها يوم وُلدت مجتباةً مصطفاةً لمهمّتها الخالدة العصماء، ويوم ارتقت إلى رحاب بارئها شهيدة مظلومة كشقيقها سيّد الشهداء، ويوم تُبعث يوم الحشر لتحمل بين يدي الخالق سجلّ الصبر الموشّى بأسماء الصابرين والصابرات، من المقتدين بصبرها والمقتديات، إذ ليس في معجم الصبر مَن يدانيها في الصفات، فهي قمّة شامخة الثبات، ونعمة من نِعم الباري على البشر؛ ليتمّ بها الحجّة على مَن قصّر وتأخّر، وهي آية الصبر الموسوم بها، والقدوة المثلى لكلّ مَن اتّقى وارتقى وصبر.