أجنحة الجنان

وفاء عمر عاشور/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 81

تتطلّع قلوب المؤمنين إلى مقام المقرّبين بشوق خفيّ يضجّ في الأعماق ولا تفصح عنه الألسنة، كأنّه غاية السير ومنتهى الرجاء، فتلهج الأرواح في خلواتها بالدعاء بما جاء في الآية الكريمة: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (الشعراء:83)، وما ينال هذه المنزلة إلّا ذو حظّ عظيم، اصطفاه الله تعالى من بين عباده، وجعله من أهل القرب والرضوان في جنّات النعيم مصداقًا لقوله تعالى: ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (الواقعة:13-14)، فكان للسابقين الأوّلين أوفر الحظوظ من هذا المقام الرفيع، وأعظم النصيب من رضوان ربّ العالمين، ومن أولئك الصفوة جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) الذي جسّد أسمى معاني الإيمان واليقين، فلم يكن إيمانه كلمات يردّدها اللسان، بل عقيدة راسخة ترجمتها المواقف والتضحيات. كان سفير النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الحبشة، ولتشرّبه بالعقيدة الحقّة مثلما يشرب الغرس الماء- وكيف لا يكون كذلك وهو شقيق الوصي أسد الله الغالب علي بن أبي طالب (عليهما السلام)- استطاع أنْ يحمي المسلمين في هجرتهم الأولى، وينجّيهم من كيد المشركين في أرض الغربة، وبعد عودته من الهجرة إلى المدينة المنوّرة، مضى في جهاده مثلما يمضي الشعاع في الظلمات، فتوّج معركة (مؤتة) بقيادته لجيش المسلمين، وضحّى بكلتا يديه، فحينما قُطعت يده اليمنى أمسك الراية بيده اليسرى، فلمّا قُطعت اليسرى احتضن الراية بعضديه، رافضًا أنْ تسقط راية الإسلام ما دام فيه نبض، وتوّج حياته بالشهادة وهو يحمل وسام البشارة من سيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله): "رأيتُ جعفر بن أبي طالب يطير في الجنّة مع الملائكة بجناحين"(1)، فلُقّب بـ(جعفر الطيّار) لأنّ الله سبحانه وتعالى عوّضه عن يديه اللتين ضحّى بهما جناحين في الجنّة، ولم تنتهِ مكارم آل أبي طالب (عليه السلام)، فتجسّدت بطولة جعفر الطيّار (عليه السلام) في ابن أخيه العبّاس بن عليّ (عليهما السلام)، فلقد اشتركا معًا في نصرة المعصوم بطاعة مطلقة منقطعة النظير، لكنّ العبّاس (عليه السلام) سيّد الماء الظامئ، لم يكتفِ أعداؤه بقطع يديه، بل رموا عينه الشريفة بالسهم، وفلقوا هامته المقدّسة بعامود من حديد، فالسلام عليهما يوم وُلدا ويوم استُشهدا ويوم يُبعثان في يوم الجزاء. ............ (1) بحار الأنوار: ج22، ص274.