البستاني الماهر وسر الغريب
بينما كانت الشمس تلفظ آخر أنفاس النهار على أعتاب الغروب، كان الطفل (زيد) ذو التسع سنوات يستظلّ تحت نخلة عالية في مدينته (بابل)، كان يبكي بصوتٍ خافتٍ ويمسح دموعه بأطراف قميصه، في تلك الأثناء مرّ به عمّه (سلمان) وهو رجل طيّب يعمل في بساتين النخيل، فتقدّم نحو (زيد) بهدوء وجلس بجانبه، ثم ناوله تمرةً وقال: ما بال بطلنا الصغير يسقي الأرض بدموعه بدلًا من الماء، رفع (زيد) عينيه الحزينتين وقال بنبرة شجيّة: يا عمّي أنا حزين جدًا، لقد تقدّمتُ لمسابقة الخطِّ العربي في المدرسة لكنّني خسرتُ المركز الأول وجاء ترتيبي الأخير، لقد شعرتُ بالإهانة وأنا ابن عائلةٍ معروفةٍ بالعلم، تبسّم عمّه (سلمان) وأشار بيده إلى قبّة ذهبية كانت تلمعُ من بعيدٍ وسط المدينة قائلًا: - أترى تلك القبّة المنيرة يا زيد؟ إنّها مرقد السيّد قاسم بن الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام)، هل تعرف قصّته؟ مسح (زيد) دموعه وأجاب: ¬_ إنّه سيد جليل ومن أهل بيت النبيّ (صلوات الله عليهم) والناس يحبّونه كثيرًا. _ العمّ سلمان: نعم، ولكن هل تعلم كيف عاش هنا أول مرّة قبل مئات السنين؟ _ زيد: كلّا. العمّ (سلمان): جاء القاسم (عليه السلام) إلى بلدتنا هذه هاربًا من الأشرار الذين طاردوه، وهو شاب شريف من أشرف البيوت طرًّا، ابن الإمام وأخو الإمام وعمّ الإمام، وجد نفسه هنا وحيدًا لا يملك مالًا ولا يعرفه أحد، وكان تمامًا مثلَ كلمة (غريب)، اتّسعت عينا (زيد) دهشةً وتساءل: _ ابن رسول الله كان فقيرًا وغريبًا، وماذا فعل؟ هل كان يبكي ويشتكي للناس مثلي؟ أجابه (سلمان) بفخر: _ لا يا بنيّ لم يبكِ ولم يتكبّر، بل ذهب إلى شيخ القبيلة ولم يقل له أنا ابن الإمام وابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بل طلب عملًا بسيطًا جدًا، هل تحزرُ ما هو؟ فكّر (زيد) قليلًا، ثمّ ردّ: _ معلّم أو كاتب، هزّ العمّ رأسه نفيًا، وقال: _ بل رضي أنْ يكون سقّاءً يجلس عند الفرات يملأ القِرب بالماء الصافي ويسقي الناس والمواشي، وكان يعمل بجدّ وأمانة، ويبتسم في وجوه الصغار، ويصلّي ليلًا بخشوع، لقد تعلّم الناس منه الأدب والصدق قبل أنْ يعرفُوا اسمه. _ زيد: وكيف عرفُوا سرّهُ؟ _ العمّ: حين مرض وأحسّ بدنوّ أجله أخبر الشيخ بحقيقته، فصُعق الشيخ باكيًا وقال: _ كيف يخدمنا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونحن لا ندري؟! فقال لهُ القاسم (عليه السلام) كلمةً صارت حكمةً: (لا بأس عليكَ يا عمّ، إنّكَ أكرمتني، وإنّكَ معنا في الجنّة)، يعني أنّ العظمة الحقيقية ليست بالألقاب بل بالتواضع وبما نقدّمه للناس، صمت (زيد) قليلًا ونظر إلى كفّيه، ثم تنفّس الصعداء، وقال: _ يا له من درس بليغ يا عمّي، أنا حزنتُ لأنّني خسرتُ مسابقةً صغيرةً وتكبّرتُ وافتخرتُ بنسب عائلتي، بينما القاسم (عليه السلام) وهو سليل النبوة رضي بأصعب الأعمال رضًا لله تعالى وخدمةً لخلقه. نهض العمّ (سلمان) وربّت على كتف (زيد) يثني عليه: _ أحسنتَ يا بطل، الخسارة ليست نهاية العالم والغريبُ ليس مَن لا يملك مالًا أو سلطةً، بل الغريب مَن يخلو قلبه من التقوى والتواضع. امتلأ قلب (زيد) بالشجاعة ووقف بعزيمة قائلًا: _ من الغد يا عمّي سأكون مواظبًا على دروسي وسأتدرّب على الخطّ العربي كلّ يوم، وسأساعد أبي في أعماله وأعتني بهذا البستان وأساعد أمّي في أعمال المنزل، فقد تعلّمتُ اليوم أنّ صانع المجد هو مَن يخدم بنفسه ويصبر في المِحن.