جيل الزجاج: لماذا ينهار أطفالنا عند أول خسارة وكيف نبني شخصياتهم؟

علا محمد الكربلي/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 36

ذات يوم كنتُ أراقب مجموعة من الأطفال يلعبون في الحديقة، وبمجرّد أنْ خسر أحدهم في اللعب انهار تمامًا ودخل في نوبة بكاء حادّة، ثم انسحب وجلس في زاوية يلوم الآخرين. هذا الموقف لا يحدث في الأماكن العامة فقط، بل يتكرّر في البيوت وبأشكال مختلفة مع الواجبات المدرسية أو عند مقارنة أنفسهم بأصدقائهم، حتى عند رفض طلب بسيط لهم، وصرنا نرى جيلًا من الأطفال يملكون ذكاءً حادًّا، لكنّهم في الوقت نفسه يشبهون الزجاج في رقّتهم وسرعة انكسارهم أمام أيّ إحباط أو خسارة بسيطة. ولو تأمّلنا في السبب الحقيقي وراء الهشاشة النفسية للأطفال، فسنجد أنّ عاطفة الأمومة الجيّاشة والخوف الزائد على الأبناء جعل الأمّهات يتدخّلنَ لحلّ كلّ مشاكل الأبناء نيابةً عنهم، وصرنَ يمهّدنَ لهم الطريق باستمرار، ويحمينهم من أيّ مضايقة أو أذى، فحُرم الطفل من فرصة تجربة الفشل الطبيعي، والتعلّم من الخطأ، إضافة إلى ذلك أنّ هذا الجيل نشأ في عصر الشاشات والمقاطع السريعة، والترف، فكلّ شيء يطلبونه يظهر أمامهم بضغطة زرّ واحدة، ممّا أضعف لديهم مهارة الصبر وتأجيل الرغبات، حتى أسلوب المدح والتشجيع أصبح مبالغًا فيه ومثيرًا للضغط، فحين نردّد على مسامع طفلنا دائمًا عبارات الإطراء كأنتَ العبقري الذي لا يخطئ، وغيرها فإنّه سيُصدم بالواقع، وسيجد أنّ الحياة فيها ربح وخسارة، فلا يتحمّل الصدمة وستنهار ثقته بنفسه؛ لأنّه تعلّم منذ نعومة أظفاره لغة الربح فقط. وعلاج هذه المشكلة ليس بالأمر الصعب، بل يبدأ بخطوات عملية وبسيطة يمكنكِ تطبيقها داخل الأسرة لإعادة بناء شخصية طفلكِ: أولًا: غيّري نظرتكِ ونظرته تجاه الخسارة وتحدّثي معه بعفوية عن الفشل بأنّه ليس نهاية العالم، بل هو مجرّد محطّة تخبرنا أين أخطأنا لنحاول مجدّدًا. ثانيًا: توقّفي عن أداء دور المنقذ السريع عندما يواجه طفلكِ صعوبة في حلّ واجب مدرسي أو تركيب لعبة، واتركي له مساحة كافية ليفكّر ويحاول، واسأليه بهدوء: ماذا تقترح أنْ نفعل لحلّ هذه المشكلة بدلًا من إعطائه الحلّ الجاهز الذي يجعله لا يتقدّم في الإنجاز بل يتراجع. وهناك قاعدة تربوية ونفسية بليغة تقدّم لنا العلاج الأمثل من وصايا أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما قال: "أَلَا وَإِنَّ الشَّجَرَةَ البَرِّيَّةَ أَصْلَدُ عُودًا، وَالرَّوَاتِعَ الخَضِرَةَ أَرَقُّ جُلُودًا، وَالنَّابِتَاتِ العِذْيَةَ أَقوَى وَقُودًا وَأَبطَأُ خُمُودًا"(1)، والارتباط هنا واضح وعميق فالإمام (عليه السلام) يوضّح لنا أنّ الشجر الذي ينمو في البرّية ويواجه قسوة الطبيعة والجفاف يشتدّ عوده ويصبح قويًا، بينما النباتات في البساتين المحميّة التي تكون تحت رعاية دائمة تكون رقيقة وسريعة الذبول والانكسار، وهذا ما يحدث مع تربية الأطفال، فالحماية الزائدة تجعلهم كالرواتع الرقيقة، بينما تركهم يواجهون بعض مصاعب الحياة وإحباطاتها هو الذي يصنع عودهم الصلب كالشجرة البرّية القوية. ومن هنا ندرك أنّ المرونة النفسية ليست مهارة عابرة تُولد مع الطفل، بل هي درع متين وعضلة حقيقية تشكّلها المواقف، وتُبنى بالصبر والتدريب خلف جدران المنزل؛ لذلك فإنّ أعظم ما يمكن أنْ تقدّميه لطفلكِ ليس طريقًا مُعبّدًا وخاليًا من الحجارة، بل تسليحه بالمرونة النفسية العالية لتبني في داخله شخصية صلبة وواثقة تعرف كيف تتخطّى العقبات وتقف بقوة وعزيمة بعد كلّ عثرة. ............. (1) نهج البلاغة: ج3، ص 418.