رياض الزهراء العدد 236 طفلك مرآتك
مذكرات فضة
تقول (فضّة)، وهي فتاة يافعة: كنتُ أجلس بالقرب من جدّتي في المطبخ الصغير الذي تفوح منه رائحة الذكريات، كانت تُعدّ بيديها المجعّدتين كعكة البرتقال، بينما يتصاعد البخار من الفرن، وتملأ الرائحة أركان البيت دفئًا يشبه حضنها تمامًا، كنتُ أراقبها بصمت، أندهش كيف تعمل لساعات طويلة من دون أنْ يظهر على وجهها أيّ تعب، بل كانت تبتسم كأنّها تستمدّ قوتها من الطهو نفسه. سألتُها ذات يوم ببراءة: هل تشعرين بالتعب يا جدّتي؟ توقّفت عن العمل قليلًا، مسحت يديها بمئزرها القماشي، ثم قالت وهي تنظر إليّ بحنان: لا يا بنيّتي، لا أشعر بالتعب ما دمتُ أصنع ما أحبّ لمَن أحبّ. لم أفهم كلماتها حينها، بدت لي أكبر من عمري الصغير، احتفظتُ بها في قلبي مثلما يحتفظ الطفل بسرّ لا يعرف قيمته. مرّت السنوات، وكبرتُ وكبر معي السؤال، كنتُ أبحث عن معنى تلك العبارة في كلّ موقف أمرّ به، لكنّ الإجابة كانت دائمًا ناقصة، وفي صباح شتويّ وبينما كنتُ في طريقي إلى المدرسة، لفت انتباهي رجل مسنّ يسير بخطوات بطيئة، يتّكئ على عصًا خشبية، متّجهًا نحو المسجد القريب من الحيّ، كان المشهد يتكرّر كلّ يوم تقريبًا مهما تغيّر الطقس أو اشتدّ البرد. تساءلت في نفسي: كيف يستطيع المجيء يوميًا وهو في هذا العمر؟ وذات يوم غلبني الفضول، فاقتربتُ منه وسألتُه بلطف عن سبب مجيئه إلى المسجد على الرغم من مشقّة الطريق، فابتسم وقال: يا بنتي، أنا لا أتعب هنا، بل أرتاح، فالإنسان لا يشعر بالتعب حين يسير إلى ما يحبّ ولأجل مَنْ يحبّ. مكثت كلماته في قلبي طويلًا، إذ كانت تشبه تمامًا كلمات جدّتي، وكأنّ الزمن يعيد عليّ الدرس نفسه لكن بصوتٍ آخر، عندها فهمتُ معنى العبارة، فهمتُ أنّ مَن أحبّ الله تعالى لا يملّ من عبادته، ومَن أحبّ عائلته لا يثقل عليه العطاء، ومَن أحبّ الناس فلن يتردّد في مدّ يد العون لهم، وعندها أدركتُ أنّ الحبّ لا يُتعب بل يكمل الإنسان ويصنع له أيامه، فالعطاء مقرون بالحبّ، والحبّ مقرون بالسلام.