التناجي وآثاره الاجتماعية
يمرّ الإنسان بمحطّات كثيرة في حياته، تتفاعل فيها الأفكار مع الأحداث فتشكّل طبيعة علاقته بالآخرين، فمَن أحسن الظنّ بالله تعالى ثم بمَن حوله، كانت أفكاره وتصرّفاته في مرضاة الله سبحانه، ومَن أساء الظنّ بالآخرين، منح الشيطان فرصة للتلاعب بأفكاره ونفسه، فتتكوّن ملامح شخصيته على ذلك، وقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء:70)، فمن لوازم هذا التكريم أنْ يراعي الإنسان سلامته النفسية، وأنْ يجاهد الزلل، ومن هذه الزلّات (التناجي)، ومعناه: (تناجى الشخصان: بمعنى أفضى كلّ منهما إلى الآخر بما يخصّه به، ويكتمه غيره)(1)، وجاء عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "إذا كان القوم ثلاثة فلا يتناجى منهم اثنان دون صاحبهما، فإنّ في ذلك ما يحزنه ويؤذيه"(2)، وعن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: "إذا كان ثلاثة في بيت فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك ممّا يغمّه"(3). وجاء في تفسير الآية المباركة: (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (المجادلة:10) أنّه كان اليهود والنصارى يتناجون لإيذاء المسلمين، ويُستنبط من هذه الآية الشريفة خمسة أحكام شرعية تخصّ النجوى، وهي: ما كان بقصد إيذاء المؤمنين فهي حرام، ومنها المكروه والمباح، لكن توجد حالة واحدة تكون النجوى فيها واجبة على المؤمن، وذلك في المواضيع السرّية، إذ إنّ إفشاء الأسرار مضرّ، ويسبّب الخطر والأذى للآخرين، وعدم العمل بالنجوى في مثل هذه الحالة قد يؤدّي إلى إضاعة الحقوق وإلحاق الخطر بالإسلام والمسلمين، وتوجد حالة تُستحبّ فيها النجوى، وذلك عند التصدّي لأعمال الخير والبرّ والإحسان، وعدم الرغبة في الإعلان عنها وإشاعتها، وهي حالات خاصّة، فالنجوى أساسًا عمل غير محمود، ومخالف لآداب المجالس، وتُعدّ نوعًا من اللامبالاة وعدم الاكتراث بالآخرين، وحين نسمو عن التناجي نرتقي بأخلاقنا، فنجني ثمار الخير والمعرفة، ونقتدي بقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لفُضيل بن يسار: "تجلسون وتتحدّثون؟" فقال: نعم، فقال (عليه السلام): "إنّ تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا، فرحم الله مَن أحيا أمرنا، يا فضيل، مَن ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر"(4). .............. (1) الموقع الرسمي للمعاني، معنى التناجي https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar (2) الكافي: ج2، ص660. (3) وسائل الشيعة: ج12، ص128. (4) وسائل الشيعة: ج14، ص501.