المعلم: شريك الأسرة لا خصمها

زينب شاكر السماك/ كربلاء المقدّسة
عدد المشاهدات : 5

لم تكن المدرسة يومًا مجرّد جدران وصفوف وكتب، بل كانت بيتًا ثانيًا للطالب، والمعلّم فيها أب روحي يحمل على عاتقه مسؤولية صناعة الإنسان قبل تعليمه، وحين يدخل الطالب من بوّابة المدرسة، فإنّه يضع بين يدي معلّميه جزءًا كبيرًا من مستقبله، مثلما تضع الأسرة أغلى ما تملك بين أيديهم، وهنا تبدأ حكاية الشراكة بين الأسرة والمدرسة: شراكة لا ينجح فيها طرف من دون الآخر، ولا تُبنى إلّا على الثقة، ولا تزدهر إلّا بحسن الظنّ، فالغاية واحدة، ألا وهي بناء طالب متعلّم، واثق بنفسه، قادر على تحمّل المسؤولية، وصناعة مستقبل يليق به وبمجتمعه، غير أنّ هذه الثقة التي كانت يومًا ركيزة التربية، أخذت تتعرّض للاهتزاز في كثير من المواقف، فما إنْ يعود الطالب بدرجة لا ترضي أسرته حتى يصبح المعلّم أول المتّهمين، كأنّ ورقة الامتحان كُتبت بيد المعلم لا بجهد الطالب! وإذا استدعت المدرسة وليّ الأمر لمناقشة سلوك يحتاج إلى تقويم، تحوّل الحوار أحيانًا إلى ساحة دفاع عن الابن قبل معرفة الحقيقة، كأنّ الاعتراف بالخطأ انتقاص من المحبّة، مع أنّ التربية الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالخطأ قبل البحث عن مبرّراته. إنّ أخطر ما يمكن أنْ نغرسه في نفوس أبنائنا هو أنْ نُشعرهم بأنّهم دائمًا على صواب، وأنّ كلّ مَن يوجّههم إنّما يقصد الإساءة إليهم، وبهذه الطريقة لا نخسر هيبة المعلم فحسب، بل نخسر بناء شخصية قادرة على تحمّل المسؤولية، والاعتراف بأخطائها، وتصحيح مسارها بشجاعة. وممّا يُؤسف له هو أنْ يصل الأمر أحيانًا إلى التجاوز على المعلّم، أو التقليل من مكانته والإساءة إليه لفظًا أو سلوكًا بسبب موقف تربوي اتّخذه داخل المدرسة، والحقيقة التي ينبغي أنْ تبقى حاضرة في الأذهان هي أنّ المعلّم مهما بدا حازمًا، فلا يستيقظ صباحًا وهو يبحث عن طالب يعاقبه، ولا يدخل الصفّ وهو يتمنّى رسوب أحد، بل على العكس إنّ أكثر ما يحزنه هو تعثّر الطالب، وأكثر مَن يفرحه بتفوّقه هو مَن رافقه خطوةً بخطوة حتى بلغ النجاح، فالمعلّم لا يقيس رسالته بعدد الدرجات التي يمنحها، بل بعدد الأرواح التي يوقظ فيها الأمل، والعقول التي يفتح لها أبواب المعرفة، والقيم التي يغرسها في النفوس، ويُعدّ التوجيه أو الملاحظة، حتى العقوبة التربوية المنضبطة وسائل لحماية الطالب من أنْ يتحوّل الخطأ الصغير إلى عادة يصعب علاجها. ومن الإنصاف أيضًا أنْ نعترف بأنّ المعلّم مهما بلغت خبرته وإخلاصه، فهو يبقى بشرًا، قد يقع في هفوة، أو يتّخذ موقفًا لم يكن موفّقًا، لا عن سوء قصد بل نتيجة ضغط العمل، أو كثرة المسؤوليات، أو سوء فهم لموقف معيّن، وهذه الهفوات لا ينبغي أنْ تكون سببًا لإصدار الأحكام أو هدم الثقة بين الأسرة والمدرسة، بل تستوجب فتح باب الحوار الهادئ بين وليّ الأمر والمعلّم؛ للوصول إلى فهم مشترك وحلّ يخدم مصلحة الطالب أولًا وأخيرًا. في المقابل قد يواجه المعلّم وليّ أمرٍ غاضبًا، أو متأثّرًا بما سمعه من ابنه، أو قلقًا على مستقبله الدراسي، وهنا تتجلّى حكمة المربّي الحقيقي الذي لا يجعل الانفعال يقوده، ولا يردّ الإساءة بالإساءة، بل يحتوي الموقف بروح المسؤولية ليجعل من الحوار جسرًا للتفاهم بدلًا من أنْ يتحوّل إلى جدار من الخلاف، عندها قد يغادر وليّ الأمر اللقاء وهو أكثر تقديرًا لرسالة المعلّم، وأكثر ثقةً بأنّ المدرسة تعمل من أجل مصلحة ابنه لا ضدّه. رسالتنا إلى كلّ معلّم: اكسب أولياء الأمور إلى صفّكَ، فالتربية ليست انتصارًا في جدال، بل القدرة على كسب القلوب قبل كسب المواقف، والكلمة الهادئة قد تُصلح ما لا تُصلحه عشرات المواجهات. كلمة صادقة إلى أولياء الأمور: إنّ الطالب لا ينبغي أنْ يرى أهله في جهة ومدرسته في جهة أخرى، بل يحتاج إلى أنْ يشعر أنّ الجميع يقفون في صفّ واحد، وأنّ الرسائل التي يتلقّاها في البيت هي نفسها التي يسمعها في المدرسة، وعندما تتكامل الأدوار، يصبح التعليم أكبر تأثيرًا، والتربية أكثر رسوخًا، والنجاح أكثر استدامة. فلنجعل الثقة لغةً للحوار، والاحترام أساسًا للعلاقة، وحسن الظنّ منهجًا للتعامل؛ لأنّ المعلّم ليس خصمًا لوليّ الأمر، ووليّ الأمر ليس رقيبًا على المعلّم، وإذا اجتمعت القلوب على مصلحة الطالب، فلن يكون هناك غالب ومغلوب، بل سيكون الرابح الوحيد هو ذلك الطفل الذي سيكبر في بيئة تؤمن به، وتحميه، وتُعلّمه أنّ العلم لا يزدهر إلّا إذا سارت الأسرة والمدرسة جنبًا إلى جنب.